وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
« من » للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية ، ولأنه لا
شرح
ذلك . انتهى كلامه . ولا يخفى أن هذا البحث ساقط من أصله على تقرير المصنف وعلى ما أوضحنا مراده . واللّه أعلم .
قوله تعالى :( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِالآية ) ذكر الإمام في انتظام هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما عاب أهل الكتاب في الآية المتقدمة بشيئين كفرهم حيث قال :يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ[ آل عمران : 70 ] وسعيهم في إيقاع الغير في الكفر حيث قال :يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ[ آل عمران : 99 ] انتقل إلى خطاب المؤمنين فحذرهم من طاعة الكفار ثم أمرهم بمجامع الخير وأصول البر . فأمر أولا بالتقوى والإيمان فقال :اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا[ آل عمران : 102 ، 103 ] ثم أمر ثانيا بالسعي في إيمان الغير وطاعته فقال :وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِوهذا ترتيب حسن أي ولتوجد منكم على أن « كان » تامة و « أمة » فاعلها و « يدعون » جملة في محل الرفع صفة « لأمة » و « منكم » متعلق « بتكن » على أنها تبعيضية . ويجوز أن يكون « منكم » متعلقا بمحذوف على أنه حال من أمة لأنه لو تأخر عنها لكان صفة لها فلما قدم امتنعت الوصفية فتعيّن كونه حالا . ويجوز أن تكون « من » للبيان لأن التبيين وإن تأخر لفظا فهو مقدم رتبة . واستدل المصنف على كونها للتبعيض بقوله :
« لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية » وهو إنما يستلزم الدعوى لو كانت فروض الكفاية واجبة على بعض غير معين من المكلفين فإن كونه من فروض الكفاية حينئذ يستلزم كون « من » تبعيضية وكون الفعل مطلوبا من بعض غير معين . وأما إذا كانت واجبة على الكل كما صرح به نفسه حيث قال : « ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأسا أثموا جميعا » فكونه من فروض الكفاية لا يستلزم كونها تبعيضية بل الظاهر أنها حينئذ للتبيين كما في قوله تعالىفَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ[ الحج : 30 ] لم يرد بعض الأوثان بل أراد « فاجتنبوا الأوثان » وكما في قولهم لفلان من أولاده « جنة » وللأمير من غلمانه « عسكر » يريدون جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم . وكذا هنا فالمعنى كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كونه من فروض الكفاية إذا كان مطلوبا من الكل كيف يكون فاستدلال المصنف محل تأمل . ويمكن أن يقال : مبنى الاستدلال كون ما هو من فروض الكفاية واجبا على بعض غير معين ، ومبنى آخر كلامه على مذهب آخر وهو المختار . قال بعض العلماء : كلمة « من » هنا ليست للتبعيض لوجهين : الأول أنه تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن