تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
يصلح له كلّ أحد إذ للمتصدّي له شروط لا يشترك فيها جميع الأمّة كالعلم بالأحكام ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها والتمكّن من القيام بها . خاطب الجميع وطلب فعل
شرح
المنكر على كل الأمة حيث قال :كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[ آل عمران : 110 ] وكذا ذم اللّه تعالى من ترك ذلك بقوله :كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ[ المائدة : 79 ] وروي عن عكرمة أن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال له : قد أعياني أن أعلم ما فعل بمن أمسك عن الوعظ فقلت : أنا أعلمك ذلك اقرأ قوله تعالى :أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ[ الأعراف : 165 ] فقال : أصبت . فاستدل ابن عباس بهذه الآية على أنه تعالى أهلك من عمل السوء ومن لم ينه عنه وأنجى من لم يعمله ، فجعل واللّه أعلم الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب . والوجه الثاني ما ورد في الأحاديث من وجوبه على كل مكلف منها ما روي عن أبي سعيد رضي اللّه عنه أنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » . وعن حذيفة رضي اللّه عنه أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن اللّه أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم » . وقال بعضهم : إنها للتبعيض . والقائلون بهذا القول اختلفوا على قولين : أحدهما أنهم قالوا : إن في القوم من لا يقدر على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالمرضى والعاجزين فلا وجه لكون الفعل مطلوبا من الكل ، والثاني أن هذا التكليف مختصر بالعلماء ويدل عليه وجهان : الأول أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ومعلوم أن هذه الأشياء مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل وآمر بالمنكر ونهى عن المعروف ، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فينهاه من غير وجه وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظ وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا ، فثبت أن هذا التكليف متوجه إلى العلماء ولا شك أنهم بعض الأمة . والثاني أنه قد انعقد الإجماع على أنه فرض كفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين ، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم وكان هذا في الحقيقة إيجابا على البعض لا على الكل . قوله : ( كالعلم بالأحكام ) فإن المعروف ما استحسنه الشرع والعقل سواء كان واجبا أو مندوبا ، والمنكر ما استقبحه الشرع والعقل . والأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب ، وإن كان مندوبا فمندوب . وأما النهي عن المنكر فواجب كله لأن جميع المنكر تركه واجب ولا بد للمحتسب من العلم بهذه الأحكام ويميز بعضها من بعض . وليس جميع الأمة متساوية في العلم بمراتب الاحتساب مثل كونه واجبا