وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
بدين الإسلام أو بكتابه لقوله عليه السّلام : « القرآن حبل اللّه المتين » . استعار له الحبل من حيث إن التمسّك به سبب للنجاة من الرّدى كما أن التمسّك بالحبل سبب للسلامة من التردّي وللوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام ترشيحا للمجاز .
جَمِيعاً
مجتمعين عليه
وَلا تَفَرَّقُوا
عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب أو لا تتفرّقوا تفرقكم الجاهليّ يحارب بعضكم بعضا ، أو لا تذكروا ما يوجب التفرّق ويزيل الألفة .
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
التي من جملتها الهداية والتوفيق للإسلام المؤدّي إلى التألّف وزوال الغلّ
إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً
في الجاهلية متقاتلين
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
بالإسلام .
شرح
قوله : « إذا أدرككم الموت » إشارة إلى أن النهي راجع إلى القيد وعلّل ذلك بقوله : « فإن النهي عن المقيد بحال أو بغيرها قد يتوجه بالذات نحو الفعل تارة » نحو : لا تعبث وأنت تصلي ونحو القيد أخرى كما في هذه الآية ، وفي قولك : لا تصل إلا خاشعا ، وقد يتوجه نحو المجموع دون كل واحد منهما كما في قولك : لا تصل محدثا أي لا تجمعهما وإن جاز لك أن تلابس كل واحد منهما منفردا عن الآخر وكذا النفي في جواز توجهه إلى تلك الأمور الثلاثة .
قوله : ( استعار له الحبل ) يعني أن لفظ الحبل مستعار لأحد المعنيين دين الإسلام أو القرآن فإن كل واحد منهما يشبه الحبل في كونه سببا للنجاة من الردى والوصول إلى المطلوب فإن من سلك طريقا صعبا يخاف أن تزلق رجله فيه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف كذلك طريق السعادة الأبدية ومرضاة الرب تعالى طريق زلق ودواعي الضلال عنها متكثرة تزلق رجل أكثر الخلق فيها . فمن اعتصم بالقرآن العظيم وبقوانين الشرع وبآيات الرب الكريم فقد هدى إلى صراط مستقيم وأمن من الغواية المؤدية إلى نار الجحيم كما يأمن المتمسك بالحبل من العذاب الأليم . قوله :
( وللوثوق به ) عطف على قوله : « له » أي واستعار الاعتصام بأحد الأمرين للوثوق به والاعتماد عليه ثم سرت الاستعارة إلى المشتق وهو « اعتصموا » والمعنى اجتمعوا واتفقوا على الاعتماد والاتباع لما هو بمنزلة الحبل لكم وهذه الاستعارة باعتبار معناها الأصلي الحقيقي كانت ترشيحا للاستعارة الأولى لكون الاعتصام الحقيقي من ملائمات الحبل المستعار منه . قوله : ( أو لا تتفرقوا تفرقكم الجاهلي ) فالنهي حينئذ عن التفرق بطريق التعادي والتحارب وهو مخل باتفاق كلمتهم في نصرة الدين وتقويته . قوله : ( أو لا تذكروا ما يوجب التفرق ) فالنهي حينئذ عما يكون سببا للتفرق بطريق إطلاق المسبب وإرادة السبب .