يكفر ويذكر فلا ينسى . وقيل : أن ينزّه بالطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها . وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب . وأصل تقاة وقية فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤدة وتخمة والياء ألفا .
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 102 ) ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت . فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجّه بالذات نحو الفعل تارة والقيد أخرى وقد يتوجّه نحو المجموع دونهما وكذلك النفي .
شرح
ينسى ، ولا طاقة للعباد بذلك . فنزلت :فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[ التغابن : 16 ] فنسخ أول هذه الآية ونسخ آخرها وهو قوله :وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[ آل عمران : 102 ] وقال جمهور المحققين : القول بهذا النسخ باطل لأنه لا يحتمل أن يأمر اللّه عباده بشيء ليس في وسعهم فيقال : إنه كان منسوخا بالأمر بقدر الطاقة والوسع . ولكن الأصل في هذا عندنا ما روي عن معاذ أنه عليه الصلاة والسّلام قال له : « هل تدري ما حق اللّه على العباد وما حق العباد على اللّه » ؟ قال : اللّه ورسوله أعلم . قال : « حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على اللّه أن يدخلهم الجنة إذا عبدوه ولم يشركوا به أحدا » أو كما قال فيكون هذا الحديث تأويلا للآية أي اتقوا اللّه فلا تكفروه فيكون محصول الآية الأمر بالإيمان والنهي عن الكفر ، وهذا لا يجوز أن ينسخ . وما يقال من أنهم لما قالوا : من يقوى على أن يتق اللّه حق التقوى نزلفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[ التغابن : 16 ] ليس فيه أن الأول كان أمرا بما ليس في الوسع ثم نزل التخفيف بل فيه بيان أن ذلك الأمر كان مما هو في الوسع ، وإليه أشار المصنف بقوله : « وهو استفراغ الوسع » إلى قوله :فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ .قوله :
( كما في تؤدة ) شبه التقاة بالتؤدة من وجهين : الأول في كونهما مصدرين والثاني أن التاء فيهما بدل من الواو . فإن أصل تؤدة وؤدة قلبت الواو المضمومة تاء كما في تراث وتجاه .
قال الجوهري : مشى مشيا وئيدا وعلى تؤدة أي ونى في مشيه واتأد وتوأد في مشيه ، وهي افتعل وتفعل من الوأد وأصل التاء في اتأدوا ويقال : اتئد في أمرك أي تثبت . قوله : ( ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت ) إشارة إلى أن الاستثناء مفرغ والمستثنى منه أعم الأحوال أي لا تموتن على حال من الأحوال إلا على هذه الحالة ، فهو نهي عن موتهم على غير هذه الحالة . والمراد دوامهم على الإسلام . ولما كان الثبات على الإسلام ممكنا صار الموت على الإسلام وعلى غيره بمنزلة ما هو ممكن بالنسبة إليهم ، فنهى عن الموت على غير الإسلام والمراد الأمر بالثبات على الإسلام ، وذلك لأن الموت لا بد منه فإذا داموا على الإسلام يموتون عليه . وقريب منه ما حكي عن سيبويه رحمه اللّه : لا أرينك ههنا أي لا نكن بالحضرة فتقع عليك رؤيتي . وأدخل أداة النهي على فعل الكون وأخر