بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن فيه عوجا عن الحق بمنع النسخ وتغيير صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونحوهما . أو بأن تحرّشوا بين المؤمنين لتختلف كلمتهم ويختلّ أمر دينهم .
وَأَنْتُمْ شُهَداءُ
إنها سبيل اللّه والصدّ عنها ضلال وإضلال أو أنتم عدول عند أهل ملّتكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا .
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
( 99 ) وعيد لهم ، ولمّا كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها بقوله : واللّه شهيد على ما تعملون . ولما كان في هذه الآية صدّهم المؤمنين عن الإسلام وكانوا يخفونه ويحتالون فيه قال : وما اللّه بغافل عما تعملون .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ
( 100 ) نزلت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوسا يتحدثون فمرّ بهم شأس بن قيس اليهودي فغاظه تألّفهم واجتماعهم فأمر شابا من اليهود أن يجلس إليه ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس ، ففعل فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا : السّلاح السّلاح واجتمع من القبيلتين خلق عظيم فتوجّه إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وقال : « أتدّاعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم اللّه بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بين قلوبكم » . فعلموا أنّها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم فألقوا السلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضا وانصرفوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وإنما خاطبهم اللّه بنفسه بعد ما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم وإشعارا بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم اللّه ويكلمهم .
شرح
اشتملت على ضمير كل واحد منهما فإن ضمير « يبغونها » يعود على« سَبِيلِ »والسبيل يذكر ويؤنث ومن التأنيث هذه الآية وقوله تعالى :قُلْ هذِهِ سَبِيلِي[ يوسف : 108 ] و« عِوَجاً »مفعول به وقدر اللام في قوله : « طالبين لها » لأن البغي يتعدى إلى مفعول واحد فقط بنفسه يقال : بغيت المال والأجر والثواب ، ولا يتعدى إلى مفعول آخر إلا بواسطة اللام . وههنا لما لم تذكر اللام صريحا وجب تقديرها فلما حذفت اللام عمل الفعل فيما بعدها كما قالوا :
وهبتك درهما يريدون وهبت لك ، ومثله صدته ظبيا أي صدت له . قال الشاعر :فتولى غلامهم ثم نادى * أظبيا أصيدكم أم حماراوالعوج بكسر العين وفتحها الميل والانحراف ، لكن العرب فرقوا بينهما فخصوا المكسور بالمعاني والمفتوح بالأعيان . تقول : في دينه وكلامه عوج بالكسر ، وفي الجدار والقناة والشجر عوج بالفتح . قوله : ( بأن تلبسوا ) جواب عما يقال : كيف يبغون لسبيل اللّه عوجا وهي أقوم من كل مستقيم فابتغاء العوج لها طلب المحال ؟ وأجاب عنه بوجهين :