أرباب الملل فخطبهم وقال : « إن اللّه تعالى كتب عليكم الحجّ فحجّوا » . فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس ملل فنزل . ومن كفر .
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
بآياته السمعية والعقلية الدّالة على صدق محمد فيما يدّعيه من وجوب الحجّ وغيره . وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أن كفرهم أقبح لأن معرفتهم بالآيات أقوى وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما .
وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ
( 98 ) والحال أنه شهيد مطّلع على أعمالكم فيجازيكم عليها لا ينفعكم التحريف والاستسرار .
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ
كرر الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع ونفي العذر لهم وإشعارا بأن كلّ واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقلّ باستجلاب العذاب وسبيل اللّه دينه الحق المأمور بسلوكه وهو الإسلام . قيل : كانوا يفتنون المؤمنين ويحرّشون بينهم حتى أتوا الأوس والخزرج فذكروهم ما بينهم في الجاهلية من التعادي والتحارب ليعودوا لمثله ويحتالون لصدّهم عنه .
تَبْغُونَها عِوَجاً
حال من الواو أي باغين طالبين لها اعوجاجا
شرح
على الكفار حج البيت ومن كفر فإن اللّه غني عن العالمين . ثم إن كان اللفظ عاما فقد قام دليل التخصيص من حيث العقل فإن شرع اللّه تعالى منزه عن العبث واللعب تعالى اللّه عن ذلك على أن خطاب اللّه تعالى في سائر العبادات للمؤمنين فكذلك في باب الحج حتى تكون الخطابات على سنن واحد في طلب العبادات . انتهى كلامه .
قوله : ( أرباب الملل ) هم ستة مذكورة في قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا[ الحج : 17 ] فآمن بفرضية الحج منهم المسلمون وكفر بها أهل الملل الخمس الباقية وقالوا : لا نؤمن بفرضية حج البيت ولا نأتي إليه ولا نحجه . فأنزل اللّه تعالى :وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَفيكون الكافر من أنكر النص ولم يعتقد وجوب الحج . قوله : ( دليل على أن كفرهم أقبح ) لأن ترتيب التوبيخ على كونهم أهل الكتاب يشير إلى كون الوصف مقتضيا للتوبيخ ووجه الاقتضاء ما ذكره من الوجهين .
قوله : ( طالبين لها اعوجاجا ) جعلها حالا مع احتمال كونها جملة مستأنفة أخبر عنهم بذلك بناء على أن كونها في محل النصب على الحال أظهر لأن الجملة الاستفهامية السابقة جيء بعدها بجملة حالية أيضا وهو قوله :وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ[ آل عمران : 70 ] فعلى تقدير كون هذه الجملة حالا تتفق الجملتان في انتصاب الحال من كل واحد منهما . ثم إنها كما يجوز كونها حالا من فاعل « تصدون » يجوز أيضا كونها حالا من « سبيل اللّه » لأن الجملة