عنه أنها بالمال ولذلك أوجب الاستتابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه . وقال مالك رحمه اللّه تعالى : إنها بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق .
وقال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى : إنها بمجموع الأمرين . والضمير في إليه للبيت أو الحج وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيله .
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
( 97 ) وضع كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه وتغليظا على تاركه . ولذلك قال عليه السّلام : « من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا » . وقد أكّد أمر الحجّ في هذه الآية من وجوه الدلالة على وجوبه بصيغة الخبر وإبرازه في الصورة الاسمية وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب للّه تعالى في رقاب الناس . وتعميم الحكم أولا وتخصيصه ثانيا فإنه كإيضاح بعد إبهام وتثنية وتكرير للمراد وتسمية ترك الحج كفرا من حيث إنه فعل الكفرة وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدلّ على المقت والخذلان . وقوله : عن العالمين يدلّ عليه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان والإشعار
شرح
وجود الفعل وسببه فلا تكون إلا معه . فالاستطاعة الأولى شرط للوجوب لا للحصول لأنها لو كان شرطا له لكان لا يجب الحج على من كان في أقصى البلاد في مكة إلا بحضورها لأنه لا شك في أنه لم توجد في حقه القدرة التي تتأدى بها أفعال الحج ، لأنها إنما تؤدي في مكة لا يكون قادرا على تلك الأفعال إلا بالحضور إلى تلك الأمكنة فيجب أن لا يلزم الحج بحضورها فكان له أن لا يحضر حتى لا يجب عليه الحج . وأيضا كل واحد من الاستطاعة والسبيل مطلق وقد فسره عليه الصلاة والسّلام « بالزاد والراحلة » وكل واحد منهما من قبيل الأسباب لا من قبيل حقيقة القدرة فإنه عليه الصلاة والسّلام لما سئل : ما السبيل ؟ قال : « الزاد والراحلة » . فإن السبيل ما يتوصل به إلى المطلوب ويتأتى به إمكان الوصول إليه . ولا شك أن الزاد والراحلة من أسباب الوصول إلى الحج ، وأن الحج لا يجب إلا عند اجتماع أسباب التوصل نحو صحة البدن بأن يطيق ركوب الراحلة والنزول عنها والاستمساك عليها ، ونحو أمن الطريق وزوال خوف التلف من سبع أو عدو أو فقدان طعام أو شراب ، ونحو القدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة ويقضي به جميع ما عليه من الدين ويضع عند من يجب عليه نفقته من المال ما يكفيه لذهابه ومجيئه . وقال الإمام الشافعي : يكفي لوجوب الحج الاستطاعة بالمال فمن كان عاجزا بنفسه بأن يكون زمنا أو به مرض لا يرجى زواله وكان له مال يمكنه أن يستأجر به من يحج عنه يجب عليه أن يستأجر من ينوب عنه ، ولو لم يكن له مال لكن كان له ولد أو أجنبي يطيعه إن أمره بأن يحج عنه يلزمه أن يأمره إذا كان يعتقد صدقه لأن وجوب الحج يتعلق بالاستطاعة . ويقال في العرف : فلان مستطيع لبناء دار وإن