بعظم السخط لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإقبال على اللّه . روي أنه لما نزل صدر الآية جمع رسول اللّه
شرح
كان لا يفعله بنفسه وإنما يفعله بماله وأعوانه . وقال الإمام مالك : الاستطاعة بالبدن فمن صح بدنه وأمكنه المشي والاكتساب في الطريق إذا لم يجد ما يشتري به الراحلة يجب عليه الحج ، لأن صحيح البدن القادر على المشي واكتساب ما ينفقه على نفسه في الطريق يصدق عليه أنه يستطيع الحج وإن لم يجد ما يركبه . روي عن الضحاك أنه قال : إذا كان شابا صحيحا ليس له مال فعليه أن يؤجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل : أكلف اللّه الناس أن يمشوا إلى البيت ؟ فقال : لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه قال : لا بل ينطلق إليه ولو كان حبوا .
قال : فكذلك يجب عليه حج البيت . قوله : ( لما نزل صدر الآية ) وهو قوله :وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًاجمع عليه الصلاة والسّلام أهل الأديان كلهم بناء على أن لفظ الناس مستغرق لجميع أفراد المكلفين . قيل : لما نادى الخليل عليه الصلاة والسّلام الخلق دعاهم إلى الحج باسم الناس حيث قال : أيها الناس إن اللّه قد بنى لكم بيتا وأمركم أن تحجوه . فحجوه . ذكر اللّه تعالى أمور الحج في آي من القرآن مقرونة باسم الناس قال :وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ[ الحج : 27 ]وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ[ آل عمران : 97 ]ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ[ البقرة : 199 ]وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ[ البقرة : 125 ]وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ[ الحج : 25 ]إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ[ آل عمران : 96 ] إلى غير ذلك . فلذلك احتجوا بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام لأن قوله تعالى :وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِيعم المؤمن والكافر وعدم الإيمان الذي هو شرط لصحة الإتيان بالفروع لا يمنع كون المرء مكلفا بالمشروط . ألا ترى الدهري مكلف بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسّلام . مع أن الإيمان باللّه شرط لصحة الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسّلام وهذا الشرط غير حاصل للدهري ؟ وأيضا المحدث مكلّف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل . واسم الناس وإن كان يعم المؤمنين والكفار إلا أنّا نقول المراد بالناس في هذه الآية هم المؤمنون دون الكفار فإنهم غير مخاطبين بأداء الشرائع عندنا ، وعند الإمام الشافعي هم مخاطبون بها . قال الإمام أبو منصور : قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه :
في الآية دلالة على أن الحج يجب على جميع الناس لا المؤمنين خاصة فتكون حجة على أن الكفار غير مخاطبين بالشرائع فإن اللّه تعالى قال :وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًاواسم الناس يقع على المؤمنين والكافرين إلا أنا نقول المراد بالناس المؤمنون وقد عرفنا ذلك بسياق الآية وهو قوله :وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَفلو حمل لفظ الناس على الفريقين لم يكن لقوله ومن كفر معنى لأنه يصير في التقدير كأنه قال : وللّه