تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
غنية عن غيرهما في الدارين بقاء الأثر مدى الدهر والأمن من العذاب يوم القيامة . قال عليه السّلام : « من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا » . وعند أبي حنيفة من لزمه القتل بردّة أو قصاص أو غيرهما لم يتعرّض له ولكن ألجىء إلى الخروج .
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
قصده للزيارة على الوجه المخصوص ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حج بالكسر وهو لغة نجد .
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
بدل من الناس بدل البعض من الكل مخصّص له . وقد فسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الاستطاعة بالزّاد والرّاحلة . وهو يؤيّد قول الشافعي رضي اللّه تعالى
شرح
قوله : ( قصده للزيارة على الوجه المخصوص ) إشارة إلى تعريف الحج في عرف أهل الشرع . فإن الحج في اللغة القصد ورجل محجوج أي مقصود ، وفي عرف الشرع هو القصد إلى مكة لأداء المناسك المشروعة في مواضعها . والحج بفتح الحاء وكسرها لغتان فصيحتان بمعنى واحد ، والفتح لغة أهل الحجاز والعالية والكسر لغة أهل نجد . وقيل : المكسور اسم للعمل والمفتوح المصدر . وقال سيبويه : يجوز أن يكون المكسور أيضا مصدرا كالذكر والعلم . وقوله :حِجُّ الْبَيْتِمبتدأوَلِلَّهِخبره وعَلَى النَّاسِمتعلق بما تعلق به الخبر أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في الجار . ويجوز أن يكونعَلَى النَّاسِهو الخبروَلِلَّهِمتعلق بما تعلق به الخبر وسَبِيلًا[ آل عمران : 97 ] مفعولا به لأن « استطاع » متعد قال تعالى :لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ[ الأعراف : 197 ] واستطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن استطاعة ما يكون وصلة إلى الشيء وسببا للوصول إليه قال تعالى :فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ[ غافر : 11 ] وفي نظم الآية مبالغات كثيرة منها قوله :وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِيعني أنه حق واجب عليهم للّه في رقابهم لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته . ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل منهمَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[ آل عمران : 97 ] وفيه ضربان من التأكيد : أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له . والثاني أن التفصيل بعد الإجمال والإيضاح بعد الإبهام إيراد له في صورتين مختلفتين . والثالث قوله :وَمَنْ كَفَرَمكان « ومن لم يحج » تغليظا على تارك الحج . والرابع ذكر الاستغناء عنه وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان . والخامس قوله :عَنِ الْعالَمِينَولم يقل عنه لما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان . قوله : ( بدل من الناس ) فتكون « من » موصولة في محل الجر تقديره : على من استطاع أي قدر وأطاق إلى البيت سبيلا أي قدر على الذهاب إليه . وأراد به قدرة سلامة الآلات والأسباب وهي تتقدم على الفعل والاستطاعة التي هي شرط لوجوب الفعل هي الاستطاعة بهذا المعنى لا الاستطاعة التي هي شرط حصول الفعل وهي لا تكون إلا مع الفعل لأنها علة