كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
استبعاد لأن يهديهم اللّه فإن الحائد عن الحق بعد ما وضح له منهمك في الضلال بعيد عن الرشاد . وقيل : نفي وإنكار له وذلك يقتضي أن لا يقبل توبة المرتدّ . وشهدوا عطف على ما في إيمانهم من معنى فعل ونظيره فأصدق وأكن . أو حال بإضمار قد من كفروا وهو على الوجهين دليل على أن الإقرار باللسان خارج عن
شرح
قوله : ( وذلك يقتضي أن لا تقبل توبة المرتد ) بيان لفساد القول المذكور باستلزامه بطلان ما أجمعوا عليه من قبول توبة المرتد . قوله : ( عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل ) والتقدير بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا . ولا يجوز كونه معطوفا على كفروا لأنهم ليسوا جامعين بين الكفر والشهادة وكذا لا يجوز عطفه ، على إيمانهم من حيث لفظه لأن عطف الفعل على الاسم غير جائز بل من حيث المعنى فإنه من قبيل عطف الفعل على الفعل نظرا إلى المعنى ونظيره قوله تعالى :لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ[ المنافقون : 10 ] فقد عطف « أكن » وهو مجزوم على قوله : « فأصدق » وهو منصوب بإضمار « إن » بعد الفاء فيكون في تقدير المصدر وعطف الفعل على المصدر لا يجوز إلا أنه من قبيل عطف الفعل على الفعل من حيث المعنى . روي أن سيبويه سأل الخليل عن قوله :فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَفقال الخليل : جزم و « أكن » لأن الفعل الأول يكون مجزوما حين لا فاء فيه وهو من قبيل العطف على المحل كأنه قيل : لولا أخرتني إلى أجل قريب أصدق وأكن . قال الشاعر :مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا ببين غرابهاعشيرة الرجل بنو ابنه الأدنون . ونعب الغراب صاح . يقول هم مشائيم لا يصلحون حال قبيلة ولا ينعب غراب قبيلتهم إلا بالبين والفراق . وحق « ناعب » أن يكون منصوبا فيكون معطوفا عل ى « مصلحين » لكنه انجر عطفا على محله لأن الباء تدخل في خبر « ليس » كثيرا لتوهم وجود الباء فيه كأنه قيل : ليسوا بمصلحين ولا ناعب . قوله : ( أو حال ) أي ويجوز أن تكون الواو للحال بإضمار « قد » والتقدير : كيف يهدي اللّه قوما كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق أي حال ما شهدوا . قوله : ( وهو على الوجهين ) أي سواء جعل و« شَهِدُوا »عطفا أو حالا يكون الإقرار باللسان خارجا عن حقيقة الإيمان . أما على الأول فظاهر ، وأما على الثاني فلأن تقدير الآية : كيف يهدي اللّه قوما كفروا بعد الإيمان حال ما شهدوا بأن الرسول حق بتقييد كفرهم الواقع بعد الإيمان بكونه مقرونا بالإقرار باللسان . فكما أن الكفر الواقع بعد الإيمان مغاير للإيمان فكذا ما هو قيد فيه مغاير له أيضا ، فصارت الآية دليلا على مذهبنا من أن الإيمان هو التصديق بالقلب . ولا شك أن المعنى القائم بالقلب مغاير للإقرار