تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
لأنهم لا يتوبون أو لا يتوبون إلا إذا أشفوا على الهلاك ، فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة ، أو لأن توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وزيادة كفرهم ولذلك لم تدخل الفاء فيه .
وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
( 90 ) الثابتون على الضلال .
شرح
قوله : ( لأنهم لا يتوبون ) جواب عما يقال : قد يراد بقوله تعالى :إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَأن المرتد تقبل توبته وإن ازداد كفرا فما معنى قوله :لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ؟وتقرير الجواب أن قوله :لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْكناية عن عدم توبتهم أصلا إلى أن يموتوا على الكفر لأن الموت على الكفر ملزوم لعدم قبول التوبة فأطلق اللازم وأريد به الملزوم ويقال : أشفى المريض على الموت إذا أشرف عليه ، والتوبة الواقعة عند الإشراف على الموت غير مقبولة لقوله تعالى :وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ[ النساء : 18 ] . قوله : ( تغليظا في شأنهم ) عله لقوله : « كنى » وبيان لفائدة أنه كنى عن الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة فإن عدم قبول التوبة يأس من رحمة اللّه تعالى فالتعبير عن عدم كونهم موفقين للتوبة بعدم قبول التوبة إبراز لحالهم في صورة اليأس من الرحمة ولا حال أشد وأفظع منه وليست هذه الفائدة في قوله : « يموتون على الكفر » فلذلك عدل عنه إلى طريق الكناية وقوله : « ولذلك » أي ولكون قوله لن تقبل واردا على سبيل الكناية لم تدخل الفاء فيه فإنه لو دخلت الفاء عليه وهو كناية عن عدم توبتهم أصلا أو عن عدمها في وقتها لا نفهم كون كفرهم وازديادهم في الكفر سببا لعدم التوبة والموت على الكفر وليس كذلك لأنه كم من مرتد يزداد في الكفر ثم يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر بخلاف قوله تعالىفَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباًفإن الموت على الكفر سبب لامتناع قبول الفدية فدخلت الفاء هناك إيذانا بسببية المبتدأ لخبره ، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى مجموع الوجهين أو إلى الوجه الأخير فقط لأن الكفر وازدياده كما لا يكون سببا للموت على الكفر لا يكون أيضا سببا للتوبة اتفاقا ولا لعدم التوبة لأن السبب لا بد أن يكون مفضيا إلى المسبب والكفر وازدياده لا يفضي إلى شيء منهما . قوله تعالى :( وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ )يجوز أن يكون في محل الرفع عطفا على خبر « إن » أي إن الذين كفروا لن تقبل توبتهم وأنهم أولئك الضالون ، وأن يكون معطوفا على الجملة المؤكدة « بأن » فلا محل لها من الإعراب لعطفها على ما لا محل له . وقوله :هُمُ الضَّالُّونَمن قبيل حصر الكمال وإلا فكل كافر ضال سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافرا في الأصل ، ومن جهات كمالهم في الضلال ثباتهم عليه وعدم كون الاهتداء متوقعا منهم . قال الإمام : اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام : أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة