حقيقة الإيمان .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( 86 ) أي الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الإيمان فكيف من جاءه الحق وعرفه ثمّ أعرض عنه ؟
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
( 87 ) يدل بمنطوقه على جواز لعنهم وبمفهومه على نفي جواز لعن غيرهم . ولعل الفرق أنهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى مأيوسون عن الرحمة رأسا بخلاف غيرهم .
والمراد بالناس المؤمنون أو العموم فإن الكافر أيضا يلعن منكر الحق والمرتدّ عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه .
شرح
باللسان . قوله :( الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ )إشارة إلى أن قوله :وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَليس تكريرا لقوله :كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا[ آل عمران : 86 ] بناء على أن قوله :كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُمختص بالمرتدينوَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَعام يتناول المرتد والكافر لكنه مختص بالكافر الأصلي . أورد تعليلا لما ذكر في حق المرتد من استبعاد هداية اللّه تعالى إياه فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه اللّه وقد رأينا كثيرا من المرتدين أسلموا وهداهم اللّه وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم . فالجواب أن معناه لا يهديهم اللّه ما داموا مقيمين على الرغبة في الكفر وفي الثبات عليه ولا يقبلون على الإسلام وأما إذا تحروا إصابة الحق والاهتداء بالأدلة المنصوبة فحينئذ يهديهم اللّه بخلق الاهتداء فيهم .
قوله : ( وبمفهومه على نفي جواز لعن غيرهم ) لأن تقديم خبر « أن » وهو « عليهم » على اسمها يفيد الحصر المشتمل على حكمين أحدهما منطوق وهو ثبوت لعن اللّه تعالى ولعن الملائكة والناس عليهم ، وثانيهما مفهوم وهو عدم ثبوته لغيرهم . وقوله :أُولئِكَمبتدأ وجَزاؤُهُمْيحتمل أن يكون مبتدأ ثانيا وأَنَّ عَلَيْهِمْالخ خبر المبتدأ الثاني والجمل خبر لأُولئِكَويحتمل أن يكونجَزاؤُهُمْبدلا منأُولئِكَبدل اشتمال وأَنَّ عَلَيْهِمْالخ خبرأُولئِكَ .واعلم أن لعنة اللّه مخالفة للعنة الملائكة لأن لعنة اللّه بالإبعاد عن الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول وكذلك لعنة الناس وكل ذلك يستحقونه بسبب ظلمهم وكفرهم ويصلح أن يكون جزاء لذلك . قوله : ( والمراد بالناس المؤمنون ) لأنه لو أريد به جميع الناس لزم أن يلعن كل واحد منهم جميع من يوافقه ويخالفه ولا وجه لأن يلعن الإنسان من يوافقه . ويحتمل أنه يراد به الجمع بناء على أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر والكافر يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا كافر فإذا لعن الكفار وكان في علم اللّه كافرا فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم .