وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً
أي غير التوحيد والانقياد لحكم اللّه .
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 85 ) الواقعين في الخسران والمعنى أن المعرض عن الإسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع في الخسران بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها . واستدل به على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل ، والجواب أنه ينفي قبول كل دين يغايره لا قبول كل ما يغايره ولعل الدين أيضا للأعمال .
شرح
فميزت كما ميزت مثل وشبه وأخواتهما وأن يكون بدلا « فغير الإسلام » هو المفعول به « ليبتغ » . وقرىء « ومن يبتغ غير الإسلام » بإدغام أحد المتجانسين في الآخر إلا أن قراءة العامة الإظهار بناء على أن المثلين لم يجتمعا لوجود الفاصل بينهما بالياء المحذوفة للجزم .
قوله : ( واستدل به على أن الإيمان هو الإسلام ) مع أن ظاهر قوله تعالى :قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا[ الحجرات : 14 ] يقتضي أن الإيمان مغاير للإسلام وأن الإيمان هو التصديق المجرد أو مع الإقرار والإسلام هو الأعمال . ووجه الاستدلال أنه لا شك أن الإيمان مقبول عند اللّه تعالى فلو كان غير الإسلام للزم أن لا يقبل بحكم هذه الآية فثبت أنهما متحدان . وتقرير الجواب أنا لا نسلم أن كون الإيمان غير الإسلام يستلزم عدم قبوله وإنما يستلزم أن لو كان الإيمان دينا ولا نسلم ذلك ، فإن منطوق الآية أن لا يقبل دين مغاير لدين الإسلام ولا يلزم منه عدم قبول الإيمان ، على تقدير كونه غير الإسلام ، إلا إذا ثبت كونه دينا مستقلا ولم يثبت لأن الدين هو الطاعة والإيمان ليس بطاعة بل هو مبدأ الطاعة . ثم إنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله :وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناًقال :كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُالآية قاله استبعادا لأن يهدي قوما هم معاندون للحق مكابرون فيه غير خاضعين له بأن يخلق فيهم الاهتداء ويوفقهم لاكتساب الاهتداء ، وإنما يخلق الاهتداء ويوفق لكسب ذلك ويقدرهم عليه إذا كانوا خاضعين متواضعين للحق راغبين فيه فإن الهداية من اللّه تعالى قد تكون بخلق الاهتداء وإعطاء القدرة والتوفيق على كسب الاهتداء وتحصيله ، وقد تكون ببيان الطريق والإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل .
فالهداية على الوجه الأخير تعم جميع الخلق من المطيع والعاصي والمؤمن والكافر وهي بهذا الوجه ليست بمرادة في هذا الموضع وإلا لكان الكافر والضال معذورا في ضلاله بل المراد من الهداية خلق الاهتداء . وقد جرت سنة اللّه تعالى في دار التكليف على أن كل فعل يقصد العبد تحصيله فإن اللّه تعالى يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه تعالى قال : كيف يخلق فيهم المعرفة والاهتداء وقد قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه ؟