ولعلّه عبّر بالصفرة عن السواد لأنها من مقدماته أو لأن سواد الإبل تعلوه صفرة ، وفيه نظر لأن الصفرة بهذا المعنى لا تؤكد بالفقوع .
تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
( 69 ) أي تعجبهم والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه من السّر .
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ
تكرير للسّؤال الأوّل واستكشاف زائد .
شرح
البصري قال : الصفراء في الآية بمعنى السوداء بناء على أن العرب تسمي الأسود أصفر كما في قوله تعالى :كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ[ المرسلات : 33 ] فإنه بمعنى سود وصدر الآية قوله تعالى :انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ[ المرسلات : 30 - 33 ] وفي قول الأعشى في مدح قيس :تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيبأي كالزبيب الأسود . قوله : « تلك خيلي » جملة اسمية و « منه » في موضع النصف على أنه حال من المشار إليه وهو خيلي والعامل معنى الفعل المستفاد من « تلك » أي أشير إليها حال كونها حاصلة من الممدوح كما قيل في قوله تعالى :وَهذا بَعْلِي شَيْخاً[ هود : 72 ] و « الركاب » الإبل التي يسار عليها ولا واحد لها من لفظها وإنما واحدها الراحلة ، و « أولادها » فاعل صفر وهو بمعنى سود بقرينة تشبيهها بالزبيب ، فإن التشبيه بالزبيب يراد به الوصف بالسواد لكون الغالب فيه السواد . وفي الاستشهاد بالبيت بحث لجواز أن يكون المراد هنّ صفر أولادها سود كالزبيب بأن يكون قوله : هنّ صفر جملة وقوله : « أولادها كالزبيب » جملة أخرى . وأجيب بأنه احتمال بعيد لا يحسن إلا بذكر العاطف أي وأولادها كالزبيب . قوله : ( ولعله عبّر بالصفرة عن السواد لأنها من مقدماته ) توجيه لتفسير الصفرة بالسواد أينما وقع . وذكر له وجهين : الأول أن الصفرة من مقدمات السواد فإن الصفرة تترقى من الضعف إلى القوة إلى أن تصير سوادا قويا . فعلى هذا يكون لفظ الصفرة ههنا مجازا من قبيل تسمية الشيء باسم ما يؤول هو إليه ، والثاني أن سواد الإبل تعلوه صفرة فعبر عن سوادها باسم ما يرى من لونها في بادىء النظر فقيل : ناقة صفراء وأريد أنها سوداء . والسرور لذة وانشراح مختفي في القلب لا يرى له أثر في ظاهر البشرة وأصله من السر ، وسميت اللذة المستبطنة سرورا لكونها سرا في القلب . والسرور والحبور والفرح أمور متقاربة لكن السرور هو مجرد اللذة الكتمة في القلب لا يرى له أثر في الظاهر ، والحبور ما يرى حبره أي أثره في ظاهر البشرة وهما ممدوحان ، وأما الفرح فهو ما يورث أشرا وبطرا ولذلك كثيرا ما يذم قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ[ القصص : 76 ] .
قوله : ( تكرير للسؤال الأول ) من حيث إنه سؤال عن حال البقرة وصفتها وإلا فهذا سؤال عن حال البقرة الموصوفة بالوصف الأول وطلب لزيادة البيان ، كما أشار إليه بقوله :