تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 694

مساهمون:

ص٦٩٤
الذي ينوب عنه التنوين راجعا إلى الرسول والمؤمنين ، أو يجعل مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين وباعتباره يصح وقوع كلّ بخبره خبر المبتدأ ويكون إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان وإيمانهم عن نظر واستدلال . وقرأ حمزة والكسائي وكتابه يعني القرآن أو الجنس والفرق بينه وبين الجمع أنه شائع في وحدان الجنس والجمع في جموعه ولذلك قيل : الكتاب أكثر من الكتب .
شرح
والمؤمنون كلهم آمن باللّه الخ فعلى هذا لا يحسن الوقف على قوله :وَالْمُؤْمِنُونَ .قوله : ( يعني القرآن أو الجنس ) يعني أن تعريف الإضافة في قوله : ( وكتابه ) يجوز أن يكون للعهد والمعهود هو القرآن ويجوز أن يكون للجنس وتعريف الجنس وإن جاز إطلاقه على تعريف الحقيقة وتعريف العهد الذهني إلا أن المراد به ههنا تعريف الاستغراق . وأشار إلى الفرق بين استغراق المفرد واستغراق الجمع بأن استغراق المفرد يقتضي استيعاب الآحاد فلا يخرج فرد ما من آحاد الجنس بخلاف الاستغراق الجمع فإنه إنما يقتضي استيعاب الجموع فلا يخرج عنه جمع ما من الجموع ويجوز أن يخرج عن الحكم واحد واثنان ، ولذلك قيل : الكتاب أكثر من الكتب . واعلم أن هذه الآية الكريمة دلت على أن الإيمان بهذه الأمور الأربعة على الترتيب المذكور أصل يتفرع عليه الإيمان بجميع ما يجب أن يؤمن به : الأول الإيمان باللّه عز وجل فإنه لو لم يثبت أن للعالم صانعا قادرا على جميع المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن كل الحاجات لا يتصور تصديق الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فكان معرفة اللّه تعالى هي الأصل ، فلذلك قدم اللّه تعالى هذه المرتبة في الذكر . والثاني الإيمان بالملائكة فإنه هو الأصل الثاني الذي يتفرع عليه الإيمان بالكتب لأنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بواسطة الملائكة قال تعالى :يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ[ النحل : 2 ] وقال :وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ[ الشورى : 51 ] وقال :فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ[ البقرة : 97 ] وقال :نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ[ الشعراء : 193 ، 194 ] فإذا ثبت أن وحي اللّه تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة وجب الإيمان بهم بعد الإيمان باللّه فلذلك ذكر الإيمان بهم في المرتبة الثانية . والثالث الإيمان بالكتب والمراد بها الوحي الذي يتلقفه الملك من اللّه تعالى ويوصله إلى البشر فما لم يثبت الوحي لم يتصور الإيمان بالأنبياء فلذلك ذكر الإيمان بالوحي والكتب في المرتبة الثالثة . والرابع الإيمان بالرسل وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة فيكونون متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا ذكر الإيمان بهم في المرتبة الرابعة . وفي هذا الترتيب أسرار عظيمة لا يهتدي إليها إلا أولو الألباب .