تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 691

مساهمون:

ص٦٩١
والشهادة شهادتهم على أنفسهم .
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
أي يأثم قلبه أو قلبه يأثم . والجملة خبر « إن » وإسناد الإثم إلى القلب لأن الكتمان مقترفه ونظيره : « العين زانية والأذن زانية » . أو للمبالغة فإنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال . وكأنه قيل : تمكن الإثم في نفسه وآخذ أشرف أجزائه وفاق سائر ذنوبه . وقرىء قلبه بالنصب كحسن وجهه
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
( 283 ) تهديد .
شرح
لفظة ربه تذكيرا له بأن عصيان من رباه بأنواع التربية ومخالفة حكمه في غاية القباحة والوقاحة . قوله : ( والشهادة شهادتهم على أنفسهم ) فإن إقرارهم على أنفسهم بمنزلة الشهادة . وقد سمى اللّه تعالى الإقرار شهادة في قوله :كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ[ النساء : 135 ] وفي قوله :وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ[ الأعراف : 172 ] . قوله : ( أي يأثم قلبه ) على أن ضمير « أنه » للكاتم وآثم مع فاعله خبر « إن » واسم الفاعل مع فاعله مفرد ليس بجملة عند البصريين وعمل اسم الفاعل لعدم كونه بمعنى الماضي . قوله : ( أو قلبه يأثم ) على أن يكون قلبه مبتدأ مؤخرا « وآثم » خبرا مقدما ، والجملة الاسمية خبر « إن » . قوله : ( وإسناد الإثم إلى القلب ) يعني أن كاتم الشهادة هو الشخص فيكون هو الآثم إلا أنه أسند الإثم إلى قلبه وحده على طريق إسناد الفعل إلى جزء من أجزاء البدن للإشارة إلى كونه أعظم أسباب تحصيل ذلك الفعل ، فإن أصل الإثم ينشأ من القلب ثم يشيع في البدن قال عليه الصلاة والسّلام : « إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب » . وإسناد الفعل إلى الجارحة التي بها الفعل أبلغ كما يسند الإبصار إلى العين فيقال : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، فلذلك أسند الإثم ههنا إلى القلب لأن في إسناد الإثم إلى القلب مبالغة في عظم الإثم من حيث إن القلب رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال . فإسناد الإثم إلى القلب يدل على أنه أعظم الذنوب قيل : ما أوعد اللّه تعالى على شيء كإيعاده على كتمان الشهادة حيث قال :فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُولم يذكر مثل هذا الوعيد في سائر الكبائر ، فإن إثم القلب سبب لمسخه واللّه تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه . نعوذ باللّه من ذلك . قوله : ( وقرىء قلبه بالنصب ) على التشبيه بالمفعول به كقولك : مررت برجل حسن وجهه . وفي هذا الوجه خلاف بين النحاة فمذهب الكوفيين الجواز مطلقا أعني نظما ونثرا ، ومذهب المبرد المنع مطلقا ، ومذهب سيبويه منعه في النثر وجوازه في الشعر . وفي الكشاف : وقرىء « قلبه » بالفتح كقوله سفه نفسه يريد أنه منصوب على التمييز . وهذا مذهب الكوفيين فإنهم لا يوجبون أن يكون التمييز نكرة . ومنه عندهمإِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ[ البقرة : 130 ] وبَطِرَتْ مَعِيشَتَها[ القصص : 58 ] خلافا للبصريين فإن التمييز عندهم لا يكون إلا نكرة .
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 691 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين