عقلا فإن الذنوب كالسّموم فكما أن تناولها يؤدّي إلى الهلاك وإن كان خطأ فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم يكن عزيمة . لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة وفضلا فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتدادا بالنعمة فيه . ويؤيد ذلك مفهوم قوله عليه الصلاة والسّلام : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان » .
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
عبثا ثقيلا يأصر صاحبه أي يحبسه في مكانه
شرح
ومعنى طلب العفو والتجاوز عن مثل هذا النسيان طلب التجاوز عما يؤدي إليه من التقصير على طرق ذكر المسبب وإرادة السبب . والحاصل أن المراد بالنسيان والخطأ ما يؤدي إليهما من التقصير والتفريط اللذين هما سبب لهما ، وثانيا بأن المراد بهما أنفسهما ونفس النسيان والخطأ وإن تجاوز اللّه تعالى عنهما رحمة وفضلا قبل أن يدعو المكلف بالتجاوز عنهما يجوز للمكلف أن يدعو بذلك استدامة لتلك النعمة واعتدادا لشأنها كما ورد في القرآن من قوله :رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ[ الأنبياء : 112 ] ورَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ[ آل عمران : 194 ] ومن قوله :اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ[ الفاتحة : 6 ] . قوله : ( ويؤيد ذلك ) أي يؤيد عدم امتناع المؤاخذة بهما عقلا .
قوله : ( عبثا ) أي حملا ثقيلا . والإصر في اللغة الثقل والشدة ، وسمّي العهد والذنب إصرا لثقلهما . قال تعالى :وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي[ آل عمران : 81 ] أي عهدي وميثاقي .
وفي الصحاح : أصره يأصره إصرا حبسه والآصرة ما عطفك على رجل من رحم أو قرابة أو صهر أو معروف والجمع الأواصر . وفي المعالم :لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراًأي عهدا ثقيلا وميثاقا لا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه كما حملته على اليهود قبلنا فلم يقوموا به فعذبتهم . قال المفسرون : إن اللّه تعالى فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعه وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم .
قال تعالى :فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ[ النساء : 160 ] وقال تعالى :وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ[ النساء : 66 ] وقد حرم على المسافرين من بني إسرائيل من قوم طالوت الشرب من النهر وكان عذابهم معجلا في الدنيا كما قال تعالى :مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها[ النساء : 47 ] وكانوا يمسخون قردة وخنازير ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه . وفي التيسير : وكان يظهر على جباههم وأبواب دورهم ذنوبهم التي أخفوها فكان في شريعة موسى عليه السّلام أنه إذا قتل واحد منهم يجب القصاص من القاتل بحيث لا يندفع بالعفو والصلح إلى غير ذلك من الأعباء التي ليست في شريعتنا . قال القفال : ومن