فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
أي دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به . وقرىء الذي ايتمن بقلب الهمزة ياء والذتمن بإدغام الياء في التاء ، وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم .
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
في الخيانة وإنكار الحق وفيه مبالغات .
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ
أيها الشهود أو المديونون .
شرح
ومطله وتسويفه فلم يطالبه بالوثائق من كتبة الحق والإشهاد عليه والارتهان منه : وقد ذكر اللّه تعالى القسمين الأولين بقوله :إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ .الآية وبقوله :وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍالآية ثم ذكر القسم الثالث بقوله :فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاًأي لم يخف خيانته وجحوده للحق إذ يقال : أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفا منه . فيكون الغير أمينا ومؤتمنا ومأمونا في ظن فلان . يقال : أمنته وأتمنته فهو مأمون ومؤتمن أي أن أمن بعض أصحاب الحق بعض من عليه الحق . فليؤد المديون الذي ائتمنه صاحب الحق ما عليه من الدين المضمون ولا يضيع ظن دائنه سمي الدين المضمون أمانة لائتمان الدائن المديون على ذلك الدين .
قوله : ( وقرىء الذي ايتمن ) إذا وقفت على « الذي » وابتدأت بما بعده قلت « أوتمن » بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة ، وذلك لأن أصله « أؤتمن » مثل « اقتدر » بهمزتين الأولى للوصل والثانية فاء الكلمة وقد وقعت الثانية ساكنة بعد همزة أخرى مضمومة ، فوجب قلب الثانية بمجانس حركة الأولى فصار « اوتمن » وأما في الوصل فتسقط همزة الوصل فتعود الهمزة الثانية إلى حالها لزوال موجب قلبها واوا فيصير « فليؤد الذي ائتمن » وقرىء بقلب الهمزة الثانية ياء صريحة في الوصل لسكونها وكسرة ما قبلها فصار « الذي ايتمن » . وقرىء بإدغام الياء في التاء كما في « اتسر » أصله « ايتسر » . والأمانة مصدر استعمل ههنا بمعنى المفعول أي « فليؤد الشيء المؤتمن عليه » وانتصابه على أنه مفعول به لقوله :« فَلْيُؤَدِّ »قال بعضهم : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الإشهاد والكتابة وأخذ الرهن . والظاهر أن التزام النسخ من غير دليل يلجىء إليه خطأ فينبغي أن تحمل تلك الأوامر على الإرشاد ورعاية الاحتياط ، وتحمل هذه الآية على الرخصة . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ .
قوله : ( وفيه مبالغات ) أي في أمر المؤتمن بأداء أمانته وباتقائه اللّه ربه مبالغات في إيجاب الأداء وذلك أنه تعالى حين ما أوجب الأداء على المديون عبّر عنه بالمؤتمن ، وعبّر عما عليه من الدين بالأمانة إشعارا بأن الدائن لما عامله المعاملة الجميلة حيث اعتمد على أمانته ولم يطالبه بما يستحكم به حقه من الكتابة والإشهاد كيف يليق به أن يقصر في أداء حقه بل يجب عليه أن لا ينكر ما عليه من الحق وأن يباشر أداءه عند حلول الأجل وحذره بقوله : وليتق اللّه من عقوبة التقصير في أدائه سواء كان تقصيره بإنكار الحق أو بتأخير أدائه ونحو ذلك . وعبر عن متعلق التقوى باسم اللّه تعالى الجامع لجميع صفات القهر والعظمة والجلال ثم أبدل منه