ونحو ذلك .
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها
استثناء من الأمر بالكتابة والتجارة الحاضرة تعم المبايعة بدين أو عين وإدارتها بينهم تعاطيهم إيّاها يدا بيد ، أي إلا أن تتبايعوا يدا بيد فلا بأس أن لا تكتبوا لبعده عن التنازع والنسيان . ونصب عاصم تجارة على أنه الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة . كقوله :
بني أسد هل تعلمون بلاءنا * إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا
شرح
ويكون سببا لحفظ الحادثة وتذكرها فتكون شهادتهم أقوم من أن يشهدوا على ظن ومحتمل .
والفرق بين الفائدتين أن الأولى متعلقة بمرضاة اللّه تعالى والثانية متعلقة بتحصيل مصلحة الدنيا ، فإن صلاح حال كل واحد من العاقدين منوط بكون الشهادة أقوم . والفائدة الثالثة كون الكتبة سببا لخلاص كل واحد من المتعاقدين من ضرر نفساني فإنه على تقدير عدم الكتبة يبقى كل واحد منهما في فكر أن هذا الأمر كيف كان ؟ وهذا الذي قلته كيف حاله ؟ هل كان صدقا أو كذبا ؟ وكذا من شاهد حالهما ربما ينسب أحدهما إلى الكذب والتقصير فيقع في إثم الغيبة والبهتان . وما أحسن هذه الفوائد وضبطها وما فيها من الترتيب . والمفضل عليه محذوف في الجميع للعلم به والمعنى : أن الكتب أقسط وأقوم وأدنى من عدم الكتب .
قوله : ( والتجارة الحاضرة تعم المبايعة بدين أو عين ) لأن كون أحد العوضين دينا ثابتا في الذمة لا ينافي كون نفس التجارة حاضرة لأن التجارة عبارة عن التصرف في المال لطلب الربح سواء كان المال حاضرا أو في ذمة . يقال : تجر الرجل يتجر مثل نصر ينصر تجارة فهو تاجر والجمع تجار كصاحب وصحاب . ويقال أيضا : تجار بتشديد الجيم كفاجر وفجار فقوله تعالى :إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةًلا يمكن حمله على عمومه بل المراد أن يكون ما يتجر فيه من الإبدال . ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدا بيد . استشهد لإضمار اسم كان بقول الشاعر :( بني أسد هل تعلمون بلاءنا * إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا )أي إذا كان اليوم يوما . والبلاء العنا ، والقتال يقال : بلى فلان بلاء حسنا إذا قاتل مقاتلة محمودة . وأشنع صفة ليوم ، واليوم الأشنع يوم علا شره وارتفع هوله ، وكونه ذا كواكب كناية عن كونه مظلما يرى فيه الكواكب نهارا ، وكونه مظلما عبارة عن شدة الأمر فيه فإن شدة الأمر يعبر عنها بالإظلام . وجاز أن يكون المراد بكونه ذا كواكب انسداد ضوء الشمس بكثرة الغبار المرتفع بسبب اشتداد الحرب وامتدادها . يخاطب بني أسد ويقول : هل تعلمون قتالنا في اليوم المظلم الذي يرى فيه الكواكب ظاهرة لكثرة الغبار الساطع من شدة الحرب .