تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 685

مساهمون:

ص٦٨٥
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ
ولا تملّوا من كثرة مدايناتكم أن تكتبوا الدّين أو الحق أو الكتاب . وقيل : كنى بالسأم عن الكسل لأنه صفة المنافق ، ولذلك قال عليه السّلام : « لا يقول المؤمن كسلت » .
صَغِيراً أَوْ كَبِيراً
صغيرا كان الحق أو كبيرا أو مختصرا كان الكتاب أو مشبعا .
إِلى أَجَلِهِ
إلى وقت حلوله الذي أقرّ به المديون .
ذلِكُمْ
شرح
واحد من المفعول الصريح « ليأبى » وغير الصريح « لدعوا » محذوف والتقدير : ولا يأب الشهداء أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إلى أدائهم إياها إذا ما دعوا لأدائها ، أو ولا يأب الشهداء تحمل الشهادة إذا ما دعوا لتحملها . واختار القفال الثاني حيث قال : كما أمر الكاتب أن لا يأب الكتابة كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى تحمل الشهادة لأن كل واحد منهما من مكارم الأخلاق لتضمنه إحياء حق المسلم وقضاء حاجته وهو ما ندب إليه الشرع حيث ورد « إن اللّه تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم » وتسميتهم شهداء قبل تحمل الشهادة من قبيل تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه كما في نحو : من قتل قتيلا . قوله : ( ولا تملوا ) يعني أن السأم والسآمة الملل من الشيء والضجر منه ومن كثرت مدايناته فاحتاج إلى أن يكتب لكل دين صغيرا أو كبيرا كتابا فربما يتضجر من أن يكتب لكل دين كتابا فنهى عن ذلك . والمقصود من الآية الحث على الكتابة قل المال أو كثر فإن النزاع في المال القليل ربما أدى إلى فساد عظيم وجناح شديد . قوله : ( وقيل كنى بالسأم عن الكسل ) ولعل هذا القائل إنما حمله على العدول عن حمل السآمة على حقيقتها أنه زعم أن حقيقة السآمة إنما تكون بعد الشروع في العمل الممتد الذي لا ينقطع إلا بعد سعي بليغ ومجاهدة طويلة ومن لم يشرع في شيء لا يقال له إنه سأم أو مل ، فلا يصح حمل قوله :وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُعلى حقيقتها لأنهم لم يشرعوا في الكتابة بعد حتى يتصور منهم حقيقة الملالة ، فلا بد أن يجعل كناية عن الكسل أي لا تكسلوا إن تكتبوه صغيرا كان أو كبيرا . وعدل عن لفظ الكسل لأن الكسل من صفات المنافق لقوله تعالى في حق المنافقين :وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى[ النساء : 142 ] والنهي عن الشيء إنما يصح إذا كان الوصف المنهي عنه من شأن المنهي وليس من شأن المؤمن الاتصاف بالكسل فلا ينبغي نهيه عن الكسل . قال عليه الصلاة والسّلام : « لا يقول المؤمن كسلت وإنما يقول ثقلت » . ولم يرض المصنف بهذا التوجيه بناء على أن الملل من الشيء لا يلزم أن يكون بالنسبة إلى خصوص الفعل المشروع فيه بل يجوز أن يكون من كثرة المزاولة بأمثاله وسائر أفراد أنواعه كما أشار إليه بقوله : « فلا تملوا من كثرة مدايناتكم » وقوله : « صغيرا أو كبيرا حال من الهاء في تكتبوه » أي على أي حال كان الحق قليلا أو كثيرا وعلى أي حال كان الكتاب مختصرا أو مشبعا . وقوله تعالى إلى أجله الظاهر أنه متعلق بمحذوف أي أن تكتبوه مستقرا في ذمة من عليه الحق إلى