لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين وإنما عليك الإرشاد والحث على المحاسن والنهي عن القبائح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث .
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
صريح بأن الهداية من اللّه تعالى وبمشيئته ، وإنما تخصّ بقوم دون قوم .
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
من نفقة معروفة .
فَلِأَنْفُسِكُمْ
شرح
وأعلنوه فكأنه قال : إنما تريدون بالإنفاق مرضاتي وثوابي فإذا حصل مقصودكم بالإخفاء فما وجه الإبداء مع ما فيه من احتمال الفساد والتأدية إلى خلاف المراد ؟
قوله : ( لا تجب عليك أن يجعل الناس مهديين ) بأن توقفهم على الإهداء أو بأن تخلق فعل الإهداء فيهم وإنما ذلك في يد من له الخلق والأمر ، وإنما فسر الهدى ههنا بالتوقيف على الإهداء وتخليقه لأنه كان على رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام هدى البيان والدعوة لجميع الخلق . قال الشيخ الماتريدي رحمه اللّه : الآية حجة على المعتزلة فإنهم يقولون بأن المراد من الهدى من اللّه تعالى هو البيان وكذلك من الرسول ، وقد أخبر اللّه تعالى أن ليس على الرسول هداهم . ومن المعلوم أنه يجب عليه البيان والتبليغ بالإجماع فعلم أن هناك فعل هدى لا يملكه الرسول وهو التوقيف على الهدى والتحليق له . وارتباط هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما ندب أولا إلى أصل الإنفاق وإخفائه بيّن بهذه الآية جواز الإنفاق على المشركين . ويدل عليه ما ذكر في سبب نزولها وهو ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : اعتمر رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام عمرة القضاء وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنها فجاءتها أمها قبيلة وجدتها تسألانها شيئا فقالت :
لا أعطيكما شيئا حتى أستأمر رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام فإنكما لستما على ديني .
فاستأمرته في ذلك فنزلت هذه الآية ، فأمرها رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام أن تتصدق عليهما . وروي أيضا أنه كان ناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة والنضير وكانوا لا يتصدقون عليهم ويقولون : لا نعطيكم شيئا ما لم تسلموا . فنزلت هذه الآية . وروي أيضا أنه عليه الصلاة والسّلام لما كثر فقراء المسلمين نهى عن التصدق على المشركين لتحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت هذه الآية والمعنى على جميع هذه الروايات : ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه اللّه تعالى ولا توقف على إسلامهم . ونظيره قوله تعالى :لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ[ الممتحنة : 8 ] فرخص في صلة هذا النوع من المشركين فيجوز أن يتصدق عليهم تطوعا . وأما الزكاة فلا يجوز صرفها إلى غير مسلم .
قوله : ( تخص بقوم دون قوم ) فإنها مخصوصة بالمؤمنين فإن قوله تعالى :وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُإثبات للهداية التي نفاها بقوله :لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ[ البقرة : 272 ] لكن