تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 665

مساهمون:

ص٦٦٥
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
إلحاحا وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه من قولهم : لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده والمعنى أنهم لا يسألون
شرح
الفقراء . والتعفف تفعل من العفة وهي ترك الشيء والإعراض عنه مع القدرة على تعاطيه ، ومتعلق التعفف محذوف ههنا اختصارا أي عن السؤال . والصفة الرابعة فقوله :تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْوالسيما بالقصر العلامة والباء فيه متعلقة « بتعرفهم » ومعناه السببية أي سبب معرفتك إياهم هو سيماهم وعلامتهم . وقيل : سيماهم هو التخشع والتواضع . وقيل : إنه أثر الجهد من الفقر والحاجة . وقيل : صفرة ألوانهم من الجوع . وقيل : رثاثة ثيابهم . وقال الإمام : وعندي أن الكل فيه نظر لأن كل ما ذكر علامات دالة على حصول الفقر فيهم وذلك يناقض قوله تعالى :يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ[ البقرة : 273 ] بل المراد شيء آخر وهو أن لعباد اللّه المخلصين هيبة وقعت في قلوب الخلق فكل من رآهم يتأثر منهم ويتواضع لهم وذلك إنذارات روحانية لا علامات نفسانية . ألا ترى أن الأسد إذا مرّ هابته جميع السباع بطباعها لا بالتجربة ، وكذلك البازي إذا طار نفرت منه الطيور الضعيفة وكل ذلك إنذارات روحانية لا جسمانية ، فكذا ههنا . والصفة الخامسة قوله :لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاًونصب إلحافا على أنه مفعول مطلق لفعله المحذوف أي يلحفون إلحافا والجملة المقدرة حال من فاعل « يسألون » أو للفعل المذكور لأن الإلحاف نوع من السؤال أو على أن يكون مصدرا في موضع الحال تقديره : لا يسألون ملحفين ، والإلحاف هو الإلحاح وهو اللزوم ، وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه من قولهم : لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده . واللحاف العطاء في الأساس لحفني فضل لحافه أي أعطاني فضل عطائه . قوله : ( والمعنى أنهم لا يسألون ) يعني أن حالتهم المستمرة أن لا يسألوا لقوله تعالى :يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِوأن فرض سؤال على الندرة عند الضرورة لم يلحوا . وهذا معنى حرف الشرط في قول المصنف « وإن سألوا » يعني أن أول الكلام وهو قوله :يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِأي عن السؤال يدل على أنهم لا يسألون أصلا فضلا عن الإلحاف وآخر الكلام وهو قوله : « لا يسألون الناس إلحافا » يدل على أنهم لا يسألون سؤالا مقيدا بالإلحاف ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم . والمستفاد من مجموع الكلامين ما ذكره بقوله : « لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا » بتقدير الشرط قبل قوله :لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاًوقيل : هو نفي للأمرين أي نفي للسؤال والإلحاف جميعا بمعنى أنه لا سؤال ولا إلحاف . وهذا المعنى أنسب للمبالغة في وصفهم بالتعفف أي يحسبهم الجاهل أغنياء بالتعفف مع أنهم فقراء فإنه يدل على غاية امتناعهم عن السؤال وهو لا ينافي صدور