التهمة عنه . عن ابن عباس : صدقة السرّ في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرّها بخمس وعشرين ضعفا .
شرح
وأيضا الإظهار ربما يوجب الضرر بالآخذ لأن الإظهار فيه هتك عرض الفقير وإظهار فقره وربما لا يرضى الفقير بذلك ، وأيضا في الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف والفرار من صدقات الناس ، وأيضا في إظهار الإعطاء إذلال للآخذ وإهانة له وإذلال المؤمن لا يجوز ، وأيضا ربما يظن الناس أنه أخذها مع الاستغناء فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة .
وقوله تعالى في حق صدقة المعلنفَنِعِمَّا هِيَمبني على أنها مقبولة مستحسنة إذا كانت النية صالحة ، فإن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهر صدقته وصار ذلك سببا لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات فينتفع الفقراء بها يكون الإظهار أيضا مستحسنا مقبولا بشرط أن يكون حاله ونيته ذلك . روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء » . وهذا في حق من راض نفسه حتى من اللّه تعالى عليه بأنواع هدايته ونوّر قلبه بأنوار معرفته وأزال عنه وساوس النفس وماتت شهواته واستغرق قلبه في بحار عظمة اللّه تعالى فمثل هذا العبد إذا عمل عملا في علانية فلا يحمله عليه إلا النية الصالحة لأن شهوة النفس قد بطلت ومنازعة نفسه وهواه قد اضمحلت وبلغ في نفسه مبلغ الرجال أولي الفضل والكمال ، فلم يبق له من الخواطر سوى خواطر تكميل غيره وتقوية الضعفاء والمساكين وتذكير الأغنياء وأرباب المكنة والاستطاعة أن يقتدوا به . فإخفاء مثل هذا العبد وإظهاره سواء وكل واحد منهما خير وحسن . فإن قيل : إذا كان الأمر على ما ذكرت فلم رجح الإخفاء على الإظهار في قوله تعالى :وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[ البقرة : 271 ] ؟ فالجواب من وجهين : الأول أنّا لا نسلم أن خيرا للتفضيل على الإبداء بل هو لإثبات مطلق الخيرية لموصوفه والمعنى أن إعطاء الصدقة حال الإخفاء خير من الخيرات وطاعة من جملة الطاعات ، فيكون المقصود بيان كونه في نفسه خيرا وطاعة لا ترجيحه وتفضيله على الإبداء . والوجه الثاني سلمنا أنه للتفضيل وأن المفضل عليه محذوف أي خير من إبدائها لكن الحكم بأفضلية الإخفاء ليس في حق جميع المتصدقين بل في حق أكثرهم أقيم الأكثر مقام الكل ، فأورد حكمهم على صورة حكم العام . ولما كان الإخفاء أقرب إلى الإخلاص وأسلم من الإضرار بالفقير كان ذلك أفضل في صدقة التطوع مطلقا وفي الزكاة أيضا في حق من لا يكون معروفا باليسار والغنى فإن كل واحد من السمعة والرياء وإن كان غير معتبر في حق الفرائض إلا أن الإعلان ربما يؤدي إلى الإضرار بالآخذ .
ومن جملة وجوه الإضرار به أن الصدقة جارية مجرى الهداية وقال عليه الصلاة والسّلام :
« من أهدى إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها » . وربما لا يدفع الفقير من تلك الصدقة