لأنه أقرب إلى الإنسان وأجمع لخواص الحيوان . والطير مصدر سمّي به أو جمع كصحب .
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
فأملهنّ واضممهن إليك لتتأملها وتعرف شياتها لئلا تلتبس عليك بعد الإحياء . وقرأ حمزة ويعقوب فصرهن بالكسر وهما لغتان . قال :
وما صيد الأعناق فيهم جبلة * ولكن أطراف الرماح تصورها
شرح
والارتفاع . وخصّ من بين الحيوانات هذه الأربعة لأن كل واحد منها فيه خاصية مانعة عن الوصول إلى الحياة الحقيقية الأبدية . فاللّه سبحانه أشار بتخصيص الأربعة والأخذ والذبح والتجزئة إلى أن الإنسان لا يصل إلى الحياة الحقيقية ما لم يقطع تلك الطبائع والخواص والعادات عن نفسه فاختير الطاوس للإشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة والعجب والجاه ، واختير الديك للإشارة إلى ما فيه من الميل والحرص إلى قضاء شهوة الفرج ، واختير الغراب للإشارة إلى ما فيه من الميل إلى جيفة الدنيا والحرص في نبلها فإن الغراب يطير في ظلمة الليل وشدة البرد في النهار في طلب الجيفة ، واختير الحمام للإشارة إلى ما فيه من العكوف على الأرض عالم الطبيعة وقلة الرغبة والهمة في الارتقاء إلى المنازل الروحانية والمعارف الإلهية فإن شأن الحمامة أن تألف وكرها وبرجها وتلازمه وتبيض وتفرخ فيه مدة حياتها . وإن كان المختار النسر بدل الحمامة يكون إشارة إلى ما في الإنسان من حيث الدنيا وطول الأمل في أمرها . وروي بط مكان الحمامة فيكون إشارة إلى الشره الغالب فيه . فاللّه تعالى نبه باختياره هذه الطيور إلى أن كيفية إحياء الموتى من النفوس والطريق المؤدي إلى حياتها هي إزالة هذه الخواص عنها ونبّه بالأمر بتفريق أجزائها على الجبال الأربعة التي بحضرته وهي العناصر الأربعة التي هي أركان بدنه على أنه ينبغي له أن يقمع تلك الخواص ويميتها حتى لا يبقى فيه إلا أصولها المذكورة في جوده وموادها المعدة في طبائع العناصر التي فيه . وقيل :
كانت الجبال سبعة . فعلى هذا يشار بها إلى الأعضاء السبعة التي هي أجزاء البدن . واللّه أعلم بحقيقة الحال . قوله : ( والطير مصدر ) أي في الأصل مصدر طار يطير ، ثم سمّي به هذا الجنس . وقيل : بل هو جمع طائر كصاحب وصحب ، وتاجر وتجر . وقيل : اسم جمع كركب وسفر . وقيل : بل هو مخفف من طير بالتشديد كقولهم : هين وميت ، في هين وميت .
قوله : ( وتعرف شياتها ) جمع شية وهي العلامة . الجوهري : الشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره . والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله والجمع شيات يقال : ثوب أشيه كما يقال : فرس أبلق . ويقال : وشيت الثوب أشيه وشيا وشية . قوله : ( وهما لغتان ) أي ضم الصاد وكسرها لغتان : يقال : صار يصور وصار يصير واستشهد لضم الصاد بقوله :( وما صيد الأعناق فيهم جبلة * ولكن أطراف الرماح تصورها )