الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً
نزلت في عثمان رضي اللّه تعالى عنه فإنه جهّز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ، وعبد الرحمن بن عوف فإنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأربعة آلاف درهم صدقة . والمنّ أن يعتدّ بإحسانه على من أحسن إليه .
شرح
زيادة قولنا : « أو مادته » والمراد بالخيالي المعدوم الذي فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها مما يدرك بالحس ، كما في قوله :وكان محمر الشقيق * إذا تصوب أو تصعدأعلام ياقوت نشر * ن على رماح من زبرجدفإن كلا من العلم والياقوت والرمح والزبرجد محسوس ، لكن المركب الذي هذه الأمور مادته ليس بمحسوس لأنه ليس بموجود في المادة ، والحس لا يدرك إلا الموجود الخارجي .
فلما جعلوا كل ما في هذا البيت من التشبيه من قبيل تشبيه المحسوس بالمحسوس مع أن المشبه به فيه ليس بموجود ظهر أن تشبيه المعقول بالمحسوس لا يقتضي وجود المشبه به ، وإنما يقتضي وجود مادة المشبه به . قال الإمام : اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإنفاق في سبيل اللّه تعالى أتبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب منها ترك المن والأذى ، فأنزل اللّه قوله تعالى :الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِالآية وهي نزلت في عثمان وعبد الرحمن رضي اللّه عنهما . أما عثمان رضي اللّه عنه فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يده يقول : « يا رب رضيت عنه فارض عنه » .
وأما عبد الرحمن بن عوف فتصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار . فنزلت الآيتان .
قوله : ( والمن أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه ) فإنه ينقص قدر النعمة ويكدرها لأن الفقير الآخذ منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطي .
فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضر به بعد أن نفعه ، وفي حكم المسئ إليه بعد أن أحسن إليه . ولأن المعطي يجب أن يقصد بإنفاقه شكر ما أنعم اللّه عليه من عظيم آلائه ويعتقد أن للّه عليه نعمة عظيمة حيث وفقه لهذا العمل وأن يخاف أن يقترن بعمله هذا شيء مما يخرجه عن حيز قبول اللّه تعالى إياه ، ومتى كان الأمر كذلك كيف يتصور منه أن يمتن على الفقير بإحسانه إليه واللّه تعالى يمتن عليه بما وفقه له ؟ والمن في اللغة يجيء لمعان : أحدها بمعنى الإنعام يقال : من فلان على فلان إذا أنعم عليه ، ولفلان عليّ منة أي نعمة . وأنشد ابن الأعرابي :فمنّ علينا بالسلام فإنما * كلامك ياقوت ودرّ منظم