سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
أسند الإنبات إلى الحبّة لما كانت من الأسباب كما يسند إلى الأرض والماء ، والمنبّت على الحقيقة هو اللّه . والمعنى أنه يخرج منها ساق يتشعب منه سبع شعب لكل منها سنبلة فيها مائة حبة ، وهو تمثيل لا يقتضي وقوعه وقد يكون في الذرة والدخن وفي البرّ في الأراضي المغلّة .
وَاللَّهُ يُضاعِفُ
تلك المضاعفة
لِمَنْ يَشاءُ
بفضله على حسب حال المنفق من إخلاصه ونصبه ومن أجل ذلك تفاوتت الأعمال في مقادير الثواب .
وَاللَّهُ واسِعٌ
لا يضيق عليه ما يتفضّل به من الزيادة
عَلِيمٌ
( 261 ) بنية المنفق وقدر إنفاقه .
شرح
المشبه وإما في جانب المشبه به ، وارتكاب الحذف إنما يجب أن لو كان المقصود تشبيه « الذين ينفقون » بنفس الحبة وليس كذلك ، لأن التشبيه المذكور في الآية من قبيل التشبيه المركب الذي لا يعتبر فيه تشبيه المفردات بعضها ببعض إلا أن اعتبار الحذف وإن لم يكن واجبا أحسن وأولى ليحصل ملاءمة المثل بالممثل به . والحبة واحدة الحب وهو ما يزرع للاقتيات وأكثر إطلاقه على البر . قيل في وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها : إنه تعالى لما أجمل قوله :مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً[ البقرة : 245 ] فصل بهذه الآية تلك الأضعاف . وإنما ذكر بين الآيتين ما يدل على قدرته على البعث والإحياء والإمانة لأن يستدل به على صحة البعث والنشور لأنه لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق فإنه لولا وجود الآلة المثيب المجازي المعاقب لكان الإنفاق وسائر الطاعات عبثا .
فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق : قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والإقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة فليكن علمك بهذه الأصول داعيا إلى المسارعة إلى تحصيل مرضاتي والإنفاق مما تحبه من المال فإني مجاز على القليل بالكثير ثم ضرب لذلك مثلا . وقوله :أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَأي أخرجتها في محل الجر لأنه صفة « لحبة » وقوله : « في كل سنبلة مائة حبة » في محل الجر أيضا صفة « لسنابل » أو في محل النصب صفة « لسبع » نحو : رأيت سبع إماء أحرارا أو أحرار ، وعلى التقديرين متعلق بمحذوف .
قوله : ( وهو تمثيل لا يقتضي وقوعه ) جواب عما يقال : الظاهر أن هذا التمثيل من قبيل تشبيه المعقول وهو الأضعاف الموعودة لمن يقرض اللّه تعالى بالمحسوس ليبرز المعقول في معرض البيان . والمشبه به ههنا ليس بموجود أصلا فضلا عن أن يكون محسوسا . أجاب عنه بأنه موجود محسوس في بعض الصور . ولئن سلم أن نفس المشبه به ليس بمحسوس لكن ذلك لا يقدح في كونه من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس لأن علماء البيان قد صرّحوا بأن المراد بالحسي ما يكون هو أو مادته مدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة ، وبالعقلي ما لا يكون هو ومادته مدركا بإحدى تلك الحواس . فدخل المركب الخيالي في الحسي بسبب