الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية . وقيل : لا يهديهم محجّة الاحتجاج أو سبيل النجاة أو طريق الجنة يوم القيامة .
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ
تقديره أو أرأيت مثل الذي ، فحذف لدلالة ألم تر إلى الذي حاج عليه ، وتخصيصه بحرف التشبيه لأن المنكر للإحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي الربوبية . وقيل : الكاف مزيدة ، وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاجّ أو الذي مرّ . وقيل : إنه عطف محمول على المعنى ، كأنه قيل ألم تر كالذي حج أو كالذي مرّ . وقيل : إنه من كلام إبراهيم ذكره جوابا لمعارضته وتقديره وإن كنت تحيي فأحيي كإحياء اللّه تعالى الذي مرّ وهو عزير بن شرحيا أو الخضر أو كافر بالبعث ، ويؤيده نظمه مع نمرود . والقرية بيت المقدس حين خرّبه بخت نصّر . وقيل :
شرح
بالحجة فتحيّر وسكت وانقطعت حجته . قوله : ( الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية ) أي عن قبول الهداية القطعية الدالة على الحق دلالة واضحة بالغة في الوضوح والقوة إلى حيث جعل الخصم مبهوتا متحيرا ، فمن ظلم نفسه بالامتناع عن قبول مثل هذه الدلائل لا يجعله اللّه تعالى مهتديا بها لأن المعتبر في دار التكليف أن يهتدي العبد بالقصد والاختيار لا أن يقسره اللّه تعالى على الاهتداء والقبول لأنه ينافي التكليف . قال في شرح التأويلات :
قوله تعالى :وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَوقوله :وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[ البقرة : 264 ؛ التوبة : 37 ] ونحو ذلك يخرج على وجوه : أحدها أنه لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم أي لا يخلق فيهم فعل الهداية وهم يختارون فعل الضلال . ويحتمل نزول الآية في حق من علم في الأزل أنه لا يؤمن ولا يعطيه الهداية فيكون المراد من هذا المقام هو الخاص ومثله كثير . ويحتمل أنه لا يهدي إلى طريق الجنة في الآخرة من كفر باللّه في الدنيا فيراد به هداية طريق الجنة .
قوله : ( تقديره أو أرأيت ) يريد أن الكاف في قوله :كَالَّذِيمنصوب بفعل مضمر ، والتقدير أو أرأيت مثل الذي فعل كذا أي ما رأيت مثله فتعجب منه . ثم ههنا نسختان :
إحداهما « أو أرأيت » وهو عطف على قوله :أَ لَمْ تَرَ[ البقرة : 258 ] حتى يكون رأيت في حيز الاستفهام ، والثانية « أو رأيت » . والنسخة الأولى أظهر وأولى . ولم يجعل قوله :كَالَّذِيمرّ معطوفا على قوله :الَّذِي حَاجَّ[ البقرة : 258 ] لأمرين : أحدهما أن عطفه عليه يستلزم أن تدخل كلمة « إلى » على الكاف الذي في قوله :كَالَّذِيوهذه الكاف إن كانت حرف جر لم يجز دخول حرف جر آخر عليها ، وإن كانت اسمية فهي شبيهة بالحرفية في عدم التصرف فلا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت دخوله عليها في كلامهم وهو عن