أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
لأن آتاه أي أبطره إيتاؤه الملك وحمله على المحاجّة أو حاجّ لأجله شكرا له على طريقة العكس ، كقولك : عاديتني لأني أحسنت إليك . أو وقت أن آتاه اللّه الملك وهو حجة على من منع إيتاء اللّه الملك الكافر من المعتزلة .
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ
ظرف لحاج أو بدل من أن آتاه اللّه على الوجه الثاني .
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
يخلق الحياة والموت في الأجساد . وقرأ حمزة رب بحذف الياء .
قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
بالعفو عن القتل والقتل . وقرأ نافع أنا بالألف .
شرح
عنده الطعام وكان إذا أتاه رجل في طلب الطعام سأله من ربك فإن قال : « أنت » باع منه الطعام . فأتاه إبراهيم عليه السّلام فيمن أتاه فقال له نمرود : من ربك ؟ فقال :رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُفاشتغل بالمجادلة ولم يعطه شيئا . فرجع إبراهيم عليه السّلام على كثيب من رمل أعفر فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم فلما أتى أهله ووضع متاعه نام فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام رآه أحد فصنعت له منه فقربت إليه فقال : من أين لك هذا ؟ فقالت : من الطعام الذي جئت به . فعرف أن اللّه تعالى رزقه فحمد اللّه تعالى .
قوله : ( لأن آتاه ) يعني أن قوله :أَنْ آتاهُمفعول له فحذفت اللام لأن حرف الجر يطرد حذفه مع أن ثم في كونه مفعولا معنيان : أحدهما أنه من باب العكس في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجة موضع الشكر إذ كان من حقه أن يشكر في مقابلة إيتاء الملك ولكنه عمل عكس ما هو الحق الواجب عليه كقوله :وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ[ الواقعة : 82 ] وتقول : عاداني فلان لأني أحسنت إليه ، وهو باب بليغ . والثاني أن إيتاء الملك حمله على ذلك لأنه أورثه الكبر والبطر فنشأ عنهما المحاجة . قوله : ( أو وقت أن آتاه ) يعنى أن « أن » مع ما في حيزها واقعة موقع الظرف . وقيل : فيه نظر لأن النحاة قد صرحوا بأنه لا ينوب عن ظرف الزمان إلا المصدر الصريح نحو : آتيك صياح الديك وخفوق النجم . وأجيب بأن هذا التصريح معارض بما نصوا عليه من أن « ما » المصدرية تنوب عن الزمان وليست بمصدر صريح . والظاهر أن قول إبراهيم عليه السّلام :رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُجواب سؤال سابق غير مذكور إذ الظاهر أن إبراهيم عليه السّلام ادّعى الرسالة فقال نمرود : من ربك ؟
فقال إبراهيم عليه السّلام :رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُإلا أن تلك المقدمة حذفت لدلالة الواقعة عليها . وجواب إبراهيم عليه السّلام في غاية الصحة لأنه لا سبيل إلى معرفة اللّه تعالى إلا بواسطة صفاته وأفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين ، والإحياء والإماتة بمعنى خلق الحياة والموت في الأجساد من هذا القبيل . روي أن إبراهيم عليه السّلام لما احتج بتلك الحجة دعا الملك الكافر شخصين وقتل أحدهما واستبقى الآخر وقال : أنا أيضا أحيي