قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
أعرض إبراهيم عن الاعتراض عن معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه على نحو هذا التمويه دفعا للمشاغبة ، وهو في الحقيقة عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي من مقدوراته التي يعجز عن الإتيان بها غيره لا عن حجة إلى أخرى . ولعل نمرود زعم أنه يقدر أن يفعل كل جنس يفعله اللّه فنقضه إبراهيم بذلك ، وإنما حمله عليه بطر الملك وحماقته أو اعتقاد الحلول . وقيل : لما كسر إبراهيم عليه السّلام الأصنام سجنه أياما ثم أخرجه ليحرقه فقال له : من ربك الذي تدعو إليه ؟ وحاجّه فيه
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ
فصار مبهوتا .
وقرىء فبهت أي فغلب إبراهيم الكافر .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( 258 )
شرح
وأميت . ثم إن إبراهيم عليه السّلام بيّن له فساد قوله بأن قال : إنك أحييت الحي ولم تحيي الميت . ثم اعلم أن القراء أجمعوا على إسقاط ألف « أنا » عند الوصل في جميع القرآن إلا ما روي عن نافع في إثباته عند استقبال الهمزة . والصحيح أن فيه لغتين : إحداهما لغة تميم وهي إثبات ألفه وصلا ووقفا وعليها تحمل قراءة نافع فإنه قرأ بثبوت الألف وصلا قبل همزة مضمومة نحو « أنا أحيي » أو مفتوحة نحو « أنا أول » . واختلف عنه في المكسورة نحو « إن أنا إلا » . واللغة الثانية إثباتها وقفا وحذفها وصلا ولا يجوز إثباتها وصلا إلا عند الضرورة والفاء في قوله :فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِجواب شرط مقدر تقديره قال إبراهيم : إذا ادعيت الإحياء والإماتة وآتيت بمعارضة مموهة ولم تعلم معنى الإحياء ، فالحجة أن اللّه يأتي . والباء في « بالشمس » للتعدية . قوله : ( وهو في الحقيقة عدول عن مثال إلى مثال ) يعني أن ما فعله إبراهيم عليه السّلام ليس انتقالا من دليل إلى دليل آخر لأن ذلك غير محمود في باب المناظرة بل الدليل واحد في الموضعين وهو : إنّا نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها فلا بد من قادر آخر يتولى إحداثها وهو اللّه سبحانه وتعالى ، والحوادث التي لا يقدر الخلق على إحداثها لها أمثلة منها : الإحياء والإماتة ، ومنها السحاب والرعد والبرق ، ومنها حركات الأفلاك والكواكب . والمستدل وإن لم يجز له أن ينتقل من دليل إلى دليل آخر لكن إذا ذكر مثالا لإيضاح كلامه فله أن ينتقل من ذلك المثال إلى مثال آخر ، فكان ما فعله إبراهيم عليه السّلام من باب ما يكون الدليل فيه واحدا إلا أنه انتقل عند إيضاحه من مثال إلى مثال آخر وليس من باب الانتقال من دليل إلى دليل آخر . قوله : ( وقيل لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه ) عطف من حيث المعنى على قوله : أي أبطره إيتاؤه الملك وحمله على المحاجة .
قوله : ( وقرىء فبهت ) أي بفتح الباء والهاء مبنيا للفاعل فيكون الفعل متعديا وفاعله ضمير يعود على إبراهيم عليه السّلام واسم الموصول مفعوله أي بهت إبراهيم الكافر وغلبه