ظلمات الشكوك والشبهات . وقيل : نزلت في قوم ارتدّوا عن الإسلام وإسناد الإخراج إلى الطاغوت باعتبار التسبّب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به .
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 257 ) وعيد وتحذير ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم .
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ
تعجيب من محاجّة نمرود وحماقته .
شرح
أخرجهم اللّه تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان فمنهم من حمل اللفظ على ظاهره وجعل الآية مختصة بمن كان كافرا ثم أسلم ، ومنهم من حمل اللفظ على كل من آمن بمحمد عليه الصلاة والسّلام سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك . ثم قال : ولا يبعد أن يقال في حق من لم يكفر قط« يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ »وإن لم يكونوا في الظلمات البتة ويدل على جوازه قوله تعالى :لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ[ يونس : 98 ] ولم يكن نزل بهم العذاب البتة وقوله تعالى في قصة يوسف عليه السّلام :إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[ يوسف : 37 ] ولم يكن فيها قط . وحاصله أن إخراجهم من الظلمات إلى النور جائز أن يكون بمعنى إنشائهم على نور الإيمان ابتداء من غير أن يكونوا في ظلمة الكفر ، ثم يخرجهم منها إلى الإيمان وهذا كقوله تعالى :رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها[ الرعد : 2 ] إذ المراد به أنه رفعها ابتداء من غير أن كانت موضوعة ثم رفعها . وتقول لمن يبني البئر « ضيق فمها » ولمن يخيط الجبة « وسع كمها » تريد إنشاءهما ابتداء كذلك . قوله : ( وقيل نزلت في قوم ارتدّوا ) عطف من حيث المعنى على قوله :مِنَ النُّورِالذي منحوه بالفطرة إلى الكفر .
قوله : ( وإسناد الإخراج إلى الطاغوت الخ ) يريد أن الآية لا تصلح أن تكون متمسكا للمعتزلة فيما ذهبوا إليه من أن الكفر ونحوه مما لا يكون أصلح للعبد ليس من اللّه تعالى لأنه تعالى أضاف الكفر إلى الطاغوت لا إلى نفسه وذلك لأن الإخراج إنما أسند إليها مجازا لكونها سببا له وذلك لا ينافي كون المخرج حقيقة هو اللّه تعالى . ثم إنه تعالى سوى بين المؤمن والكافر في الأمر بالإيمان والإقدار عليه والدعاء إليه ونصب البراهين الدالة على تمييز الحق من الباطل ، لكنه خص الذين آمنوا بمعنى زائد عليه به يتحقق منهم الإيمان أي بلطف وتيسير وتوفيق لم يكن للكافر . قوله : ( من محاجة نمرود ) وهو نمرود بن كنعان بن سام بن نوح عليه السّلام وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبّر وادّعى الربوبية . واختلفوا في وقت محاجته أي مخاصمته ومجادلته مع إبراهيم عليه السّلام . قال مقاتل : لما كسر الأصنام سجنه النمرود ثم أخرجه ليحرقه فقال له : من ربك الذي تدعونا إليه ؟ قال :رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ .وقال آخرون : كان ذلك بعد إلقائه في النار . وقيل : النمرود بن حام بن نوح عليه السّلام كان ملكا على السواد وكان الناس قحطوا على عهده وصاروا يمتارون من