المتعالي عن الأنداد والأشباه
الْعَظِيمُ
( 255 ) المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه .
وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهيّة : فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية متصف بالحياة واجب الوجوب لذاته موجد لغيره ، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزّه عن التحيّز والحلول مبرأ عن التغير والفتور لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح . مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له عالم الأشياء كلّها جلّيها وخفيّها كلّيها وجزئيّها .
واسع الملك والقدرة لا يأوده شاق ولا يشغله شأن متعال عما يدركه وهم عظيم لا يحيط به فهم ، ولذلك قال عليه السّلام : « إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي من قرأها بعث اللّه ملكا يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة » . وقال : « من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه اللّه على نفسه وجاره والأبيات حوله » .
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
إذ الإكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا يحمله عليه . ولكن
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
تميّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمدية ، والعاقل متى تبيّن له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان طلبا للفوز بالسعادة والنجاة ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء . وقيل : إخبار بمعنى النهي أي لا تكرهوا في الدين ، وهو إما عام منسوخ بقوله :
جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
[ التوبة : 73 ؛ التحريم : 9 ] أو خاص بأهل الكتاب لما روي أن أنصاريّا كان له ابنان تنصّرا قبل المبعث ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال : واللّه لا أدعكما حتى تسلما فأبيا
شرح
وقوله : « عن الأنداد » إشارة إلى أن المراد بالعلو علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأنه تعالى منزه عن التحيز وكذا عظمته إنما هي بالمهابة والقهر والكبرياء ويمتنع أن تكون بحسب المقدار والحجم لتعالي شأنه من أن يكون من جنس الجواهر والأجسام . قوله : ( أو خاص بأهل الكتاب ) وفي شرح التأويلات : قال بعضهم : نزلت الآية في المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى أنه تقبل منهم الجزية ولا يكرهون على الإسلام ، وليسوا كمشركي العرب فإنه لا يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام ولا تقبل منهم الجزية . فإن أسلموا فيها وإلا قتلوا .
قال اللّه تعالى :تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ[ الفتح : 16 ] وعلى ذلك روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كتب إلى المنذرين فلان : « أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وأما أهل الكتاب