وما يعقلونه أو ما يدركونه وما لا يدركونه والضمير لما في السماوات والأرض لأن فيهم العقلاء أو لما دل عليه من ذا من الملائكة والأنبياء .
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
من معلوماته
إِلَّا بِما شاءَ
أن يعلموا . وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته .
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الأنعام : 91 ] والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ولا كرسي في الحقيقة ولا
شرح
فعلوه من خير وشر وقدموه وما يفعلونه بعد ذلك . فقول المصنف : « ما قبلهم وما بعدهم » الظاهر أن معناه ما قبل أن خلقوا وما بعد انقضاء آجالهم . ويحتمل أن يكون بمعنى ما قدموا وما يفعلونه بعد أو بمعنى ما بين أيديهم من السماء إلى الأرض وما في السماوات . ويحتمل أن يريد ما يعمل الاحتمالات الثلاثة فيكون مستوعبا لما ذكره الإمام من الاحتمالات الخمسة وزاد عليها احتمالات أخر بقوله : « أو بالعكس » مرتين وبقوله : « أو ما يحسونه » الخ والمقصود بهذا الكلام على جميع الاحتمالات بيان أنه عالم بأحوال الشافع والمشفوع فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب .
قوله : ( لأن فيهم العقلاء ) فغلب من يعقل على غيره وعلى أن يكون الضمير لما دل عليه من ذا يكون الضمير للعقلاء خاصة فلا تغليب . قوله : ( من معلوماته ) جعل العلم ههنا بمعنى المعلوم لأن علمه تعالى الذي هو صفة قائمة بذاته المقدسة لا يتبعض فجعله بمعنى المعلوم ليصح دخول التبعيض والاستثناء عليه . ومن مجيء العلم بمعنى المعلوم قولهم :
اللهم اغفر لنا علمك فينا ، وقول الخضر لموسى عليه الصلاة والسّلام : ما نقص علمي وعلمك من علمه تعالى إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر ، قاله حين رأيا أن عصفورا أخذ بمنقاره شيئا من ماء البحر .
قوله : ( تصوير لعظمته ) تقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم ، كما جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم ، وذكر في الحجر الأسود أنه يمين اللّه تعالى في أرضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم ، وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الميزان . وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[ طه : 5 ] ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال :وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَوالحاصل أن كل ما كان ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر . ولما توافقت الأمة ههنا على أن المقصود تعريف عظمة اللّه تعالى وكبريائه مع القطع