تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ
ما أوجبنا عليكم إنفاقه .
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ
من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه
شرح
ومشيئته . وللمعتزلة أصلان فاسدان لا يستقيم معهما معظم ما وقع في التنزيل من كون الحوادث بأسرها مترتبة على مشيئة اللّه تعالى : أحدهما أن اللّه تعالى لا يريد الشرور والقبائح البتة وإنما يريد الخيرات والحسنات ، وثانيهما أن ليس ما شاء اللّه تعالى كان وما لم يشأ لم يكن بل قد شاء ما لم يقع كإيمان الكافر وطاعة العاصي ، وقد وقع ما لم يشأ ككفر الكافر وفسق الفاسق . فعلى هذا لا يستقيم أنه لو شاء ترك الاقتتال والاختلاف لوقع وأنه لو لم يشأ ترك الاقتتال والاختلاف لم يقع على ما هو وضع كلمة « لو » من انتفاء الثاني لانتفاء الأول ، لأن ترك الاقتتال حسن قد شاءه اللّه تعالى فاضطروا إلى تقييد المشيئة بمشيئة القسر ليصح أنه لو شاء لوقع وأنه لم يشأ عدم الاقتتال مشيئة قسر وإن شاء مشيئة تفويض إلى اختيارهم . ولما لم يكن كل ما أراده اللّه تعالى واقعا كما ذكرنا لم يستقم أنه يفعل كل ما يريده فلذا خصصه بالخذلان المفضي إلى فعل القبائح وعدم العصمة المانعة عنها . ومن كان له ثمة من الإنصاف فهم من هذه الآية أن الكل بمشيئة اللّه تعالى كذا في الحواشي السعدية . قوله : ( ما أوجبنا عليكم إنفاقه ) حمل الإنفاق المأمور به على إيتاء الزكاة المفروضة اختيارا لما ذهب إليه الحسن البصري . فوجه ارتباط الآية بما قبلها حينئذ أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال وبذل المال في طاعة اللّه تعالى . فلما قدم الأمر بالقتال عقبه بالأمر بالإنفاق للمناسبة بينهما في كون كل منهما شاقا على النفس . وقال أبو إسحق : أي أنفقوا في الجهاد وليعن بعضكم بعضا عليه . فوجه المناسبة لما قبلها أنه تعالى لما أمر بالقتال بقوله :وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ[ البقرة : 190 ، 244 ] عقبه بالحض على النفقة في الجهاد فقال :مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً[ البقرة : 245 ] والمقصود منه الإنفاق في الجهاد . ثم إنه تعالى أكد الأمر بالجهاد بذكر قصة طالوت ثم عقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد في هذه الآية . ومفعول« أَنْفِقُوا »محذوف أي أنفقوا شيئا « ومِمَّا رَزَقْناكُمْ »متعلق بمحذوف هو صفة لذلك المفعول المحذوف ولك أن لا تقدر لقوله :« أَنْفِقُوا »مفعولا محذوفا فحينئذ« مِمَّا رَزَقْناكُمْ »متعلقا بنفس الفعل « ومِنْ قَبْلِ »متعلق أيضا بذلك الفعل . وجاز تعلق حرفين بلفظ واحد بفعل واحد لاختلافهما معنى . فإن الأولى للتبعيض والثانية لابتداء الغاية . والجملة المنفية وهي قوله :لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌفي محل الرفع على أنها صفة ليوم . وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون بأسرهم الألفاظ الثلاثة بالرفع والتنوين مع أن المقام مقام التعميم والدال عليه هو أن تكون الألفاظ المذكورة مبنية على الفتح لأن نحو « لا رجل » يفيد نفي الماهية وانتفاء الماهية يفيد انتفاء جميع أفرادها قطعا . أما إذا قلت « لا رجل » بالرفع والتنوين فقد نفيت