والنصارى في تحقيره وتعظيمه وجعل معجزاته سبب تفضيله لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
هدى الناس جميعا
مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
من بعد الرسل
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
أي المعجزات الواضحة لاختلافهم في الدين وتضليل بعضهم بعضا .
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ
بتوفيقه لالتزام دين الأنبياء تفضّلا .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
لإعراضه عنه بخذلانه .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا
كرره للتأكيد
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
( 253 ) فيوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا . والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام متفاوتة الإقدام ، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض ولكن بقاطع لأن اعتبار الظن فيما يتعلق بالعمل ، وأن الحوادث بيد اللّه تعالى تابعة لمشيئته خيرا كان أو شرا إيمانا أو كفرا .
شرح
قوله : ( وجعل معجزاته الخ ) جواب عما يتوهم من أن إيتاء البينات غير مختص بعيسى عليه السّلام فما وجه ذكره في أثناء تفضيل الرسل وإيتاؤها ليس من وجوه تفضيله صلّى اللّه عليه وسلم . وفي تفسير « روح القدس » أقوال : الأول قال الحسن : القدس بضمتين على لغة أهل الحجاز ، وضمة وسكون على لغة تميم ، هو اللّه تعالى وروحه جبرائيل عليه السّلام والإضافة للتشريف . والمعنى أعناه بجبرائيل في أول أمره وفي وسطه وآخره ، أما في الأول من أمره فلقوله تعالى :فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا[ التحريم : 12 ] وأما في وسطه فلأن جبرائيل علمه العلوم وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبرائيل عليه السّلام ورفعه إلى السماء . والذي يدل على أن روح القدس جبرائيل عليه السّلام قوله تعالى :قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ[ النحل : 102 ] والقول الثاني هو المنقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن روح القدس هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى .
والقول الثالث وهو قول أبي مسلم : إن روح القدس الذي أيده اللّه تعالى به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها اللّه تعالى فيه فأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى . قوله : ( من بعد ما جاءتهم البينات أي المعجزات الواضحة ) فإن الرسل لما أيدهم اللّه تعالى بالمعجزات الدالة على صدقهم في دعوى الرسالة وجب على أممهم أن يؤمنوا بهم ولا يختلفوا في أمر الدين بأن يؤمن بعضهم ويكفر البعض الآخر اختلافا يؤديهم إلى أن يتقاتلوا ويتحاربوا ، فلما اختلفوا تقاتلوا وتحاربوا بسبب ذلك الاختلاف . والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم الاقتتال ، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئة عدم الاقتتال مفقودة بل كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال . ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية فدل ذلك على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء اللّه وقدره