إبراهيم عليه السّلام خصّصه بالخلّة التي هي أعلى المراتب . وقيل : إدريس عليه السّلام لقوله تعالى :
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
[ مريم : 57 ] وقيل : أولو العزم من الرسل
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
خصّصه بالتعيين لإفراط اليهود
شرح
درجات ، أو على أنه مفعول ثان لرفع على تضمينه معنى بلغ أي بلغ بعضهم درجات .
ويحتمل أن يراد بدرجاتهم مراتبهم ومناصبهم فإن مناصب الرسل متفاوتة بلغ بعضهم منصب الخلة كإبراهيم ولم يحصل ذلك لغيره . وجمع لداود بين الملك والنبوة وطيب النغمة ولم يحصل هذا لغيره . وسخّر لسليمان عليه السّلام الجن والإنس والوحش والطير والريح ولم يحصل هذا لأبيه داود عليه السّلام . وخصّ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بكونه مبعوثا إلى الجن والإنس وبكون شرعه ناسخا لجميع الشرائع المتقدمة . ويحتمل أن يراد معجزاتهم المتفاوتة فإن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعا من المعجزات لائقا بزمانه : فإن معجزات موسى عليه السّلام كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر فائقين متقدمين فيه وهو السحر . ومعجزات عيسى عليه السّلام وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه وهو الطب . ومعجزات محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو القرآن كان من جنس الفصاحة والبلاغة والخطب والأشعار التي هي معظم كمال أهل زمانه . وبالجملة المعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة وبالبقاء وعدم البقاء وبالقوة وعدم القوة وليس شيء من الآيات التي أعطيها الأنبياء إلا والذي أعطيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر وأبقى وأكمل وأقوى . والمراد « بالبعض » في قوله تعالى :فَضَّلْنا بَعْضَهُمْبعض الرسل على الإطلاق أي بعض كان ، وأريد تفضيل كل واحد منهم على الباقين بنوع من المناصب والمعجزات والمراد « بالبعض » في قوله :وَرَفَعَ بَعْضَهُمْهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بخصوصه لأنه هو المفضل على الكل كما اختاره المصنف رحمه اللّه فوجه كونه مرفوعا فوق الكل في الدنيا والآخرة ظاهر وعبر عنه بلفظ البعض على سبيل الرمز والإبهام حيث قال :وَرَفَعَ بَعْضَهُمْتفخيما لشأنه لأن ذكر الشيء بلفظ مبهم يدل على أنه بلغ من الشهرة والامتياز إلى حيث لا يذهب الوهم إلى غيره في هذا المعنى . فإن من فعل فعلا حسنا بديعا فسئل من فعل هذا ؟ فأجاب بقوله أحدكم أو بعضكم أو نحوهما يريد به نفسه يكون ذلك أفخم لشأنه من التصريح بنفسه لما فيه من الدلالة على أنه العلم الذي لا يشتبه على أحد امتيازه عن غيره بالقدرة على مثل هذه الأفعال العجيبة . وقد اشتهر أن التنكير المشعر بالإبهام يفيد التعظيم والإفخام فأي بعد في إفادة اللفظ الموضوع لذلك إياه . قوله : ( خصصه بالتعيين ) مع أنه غير مختص بإيتاء البينات تقبيحا لإفراط اليهود في تحقيره حيث أنكروا نبوته مع ما ظهر على يديه من البينات لقاطعة الدالة عليها ولإفراط النصارى في تعظيمه حيث أخرجوه عن مرتبة الرسالة .