وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
أي ظهروا لهم ودنوا منهم
قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
( 250 ) التجؤوا إلى اللّه تعالى بالدعاء . وفيه ترتيب بليغ إذ سألوا أوّلا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر ، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبّب عنه ، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالبا .
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ
فكسروهم بنصره أو مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم .
وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ
قيل : كان إيشى في عسكر طالوت معه ستة من
شرح
في معنى الكثرة استغنى فيه عن جمع مميزه ، فلذلك لم يكن مميزه إلا مفردا ، وجاء مميز « كم » في الآية مفردا مجرورا بكلمة « من » وهو فئة . وفي اشتقاق فئة قولان : أحدهما من فاء يفيء أي رجع فحذفت عينها فوزنها فلة ، والقول الثاني أنها من فأوت رأسه أي كسرته فحذفت لامها فوزنها فعة كمئة وجمعها فئات وفئون في الرفع ، وفئين في النصب والجر ومعناها على كل من الاشتقاقين صحيح . فإن الفئة اسم للجماعة من الناس قلت أو كثرت ، والجماعة من الناس يرجع بعضهم إلى بعض وهم أيضا قطعة من أناس كقطع الرأس المكسرة . قوله : ( أي ظهروا لهم ) إشارة إلى أن اللام في قوله :لِجالُوتَمتعلق بقوله :بَرَزُوافإن عسكر طالوت لما برزوا لعسكر جالوت ورأوا قلة جانبهم وكثرة عدد عدوهم لا جرم استعانوا بالدعاء والتضرع فقالوا :رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراًوفي ندائهم بقولهم :رَبَّنااعتراف منهم بالعبودية وطلب لإصلاحهم لأن لفظ الرب يشعر بذلك دون غيره . وأتوا بلفظة « على » في قولهم :أَفْرِغْ عَلَيْناطلبا لأن يكون الصبر مستعليا عليهم وشاملا لهم كالظرف للمظروف .
والإفراغ الصب يقال : أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه ، وأصله من الفراغ فإن إفراغ الإناء إخلاؤه مما فيه فقولهم :أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراًيدل على المبالغة في طلب الصبر على مشاهدة المخاوف .
قوله : ( بنصره أو مصاحبين لنصره ) الأول على أن تكون الباء للاستعانة . والثاني على أن تكون للمصاحبة . أخبر تعالى أن تلك الهزيمة كانت بإذن اللّه تعالى وإعانته وتيسيره ثم قال :وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ[ البقرة : 251 ] وكان جالوت الجبار رأس العمالقة وملكهم وكان من أولاد عمليق بن عاد وكان من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده ، وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد ، وكان ظله ميلا لطول قامته . وكان ايشي أبو داود عليه السّلام في جملة من عبر النهر مع طالوت وكان معه سبعة من أبنائه وكان داود أصغرهم يرعى الغنم فأوحى إلى نبي العسكر وهو شمويل أن داود بن ايشي هو الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء به إليه فقال النبي شمويل عليه السّلام : لقد جعل اللّه تعالى قتل جالوت