اقتصر على الغرفة كفته لشربه وإداوته ومن لم يقتصر غلب عليه عطشه واسودّت شفته ولم يقدر أن يمضي ، وهكذا الدنيا لطالب الآخرة .
فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
أي القليل الذي لم يخالفوه .
قالُوا
أي بعضهم لبعض
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
لكثرتهم وقوتهم .
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
أي قال الخلّص منهم الذين تيقّنوا لقاء اللّه وتوقعوا ثوابه أو علموا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون اللّه تعالى .
شرح
قوله : ( كفته لشربه وإداوته ) أي لشرب نفسه وخدمه ودوابه ، ولأن يحمل معه في قربته ومطهرته وقوى قلبه وصح إيمانه ومن عصى وأفرط في شربه . روي أنهم اسوّدت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو . ثم إنه لا خلاف بين المفسرين في أن الذين عصوا رجعوا إلى بلدهم وإنما اختلفوا في أن رجوعهم هل كان بعد مجاوزة النهر أو قبله ؟ والصحيح أنهم لم يجاوزوا النهر وإنما رجعوا قبل المجاوزة لقوله تعالى :فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُقال ابن عباس والسدي رضي اللّه عنهم : كان المخالفون أهل شك ونفاق فقالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فانحرفوا ولم يجاوزوا النهر . وقال الآخرون : بل جاوزوا النهر . وإنما كان رجوعهم بعد المجاوزة ومعرفتهم بجالوت وجنوده لقولهم :لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِواختار المصنف القول الأول وجعل المستكن في جاوز لطالوت وجعل قوله :وَالَّذِينَ آمَنُواعطفا على ذلك المستكن لوجود شرط العطف عليه وهو التأكيد بمنفصل . والمعنى ولما جاوز النهر طالوت والقليل الذين أطاعوه ولم يخالفوه فيما ندبهم إليه وجعل المؤمنين الذين لم يخالفوه وجاوزوا النهر فريقين فريق يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالبا على طبعه ، وفريق كان شجاعا قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة اللّه تعالى . فالقسم الأول هم الذين قالوا :لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَلكثرتهم وقوتهم والقسم الثاني هم الذين أجابوهم بقولهم :كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً[ البقرة : 249 ] فقوله : « أي بعضهم لبعض » إشارة إلى أن ضمير « قالوا » راجع إلى قوله :وَالَّذِينَ آمَنُواوهم القليل الذين لم يشربوا باعتبار بعضهم أي قال بعض هؤلاء القليلين للبعض الآخر منهم : وهم الذين يظنون أنهم ملاقو اللّه وهم أشد يقينا وأخلص اعتقادا بالنسبة إلى البعض الأول ، فإن المؤمنين وإن تساووا في أصل اليقين والاعتقاد جاز أن يتفاوتوا في قوة ذلك ولا يلزم من ذلك خلل في إيمانهم ، ولكون الذين يظنون أشد يقينا من البعض الذين قالوا ذلك لم يفسر الظن بالاعتقاد الراجح الذي يقابل العلم بل جعل « يظنون » بمعنى « يتيقنون » استعارة تبعية لما بين الظن واليقين من المشابهة من حيث اشتراكهما في الدلالة على تأكد الاعتقاد حيث قال الذين تيقنوا لقاء اللّه وجعلوا الموت