منه أن لا يكون بوسط وتعميم الأول ليتصل الاستثناء . أو أفرطوا في الشرب إلا قليلا منهم . وقرىء بالرفع حملا على المعنى فإن قوله : فشربوا منه في معنى فلم يطيعوه والقليل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا . وقيل : ثلاثة آلاف . وقيل : ألفا . روي أن من
شرح
أشير في الخبر المروي أن اللّه تعالى إذا سأله عبد شيئا من عروض الدنيا أعطاه وقال له :
خذه وضعفيه ، حرصا وإياه عنى النبي عليه الصلاة والسّلام في قوله : « لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » .
قوله تعالى :إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْهي القراءة المشهورة . فإن المستثنى إذا وقع في كلام موجب يجب نصبه في المشهور نحو : جاءني القوم إلا زيدا وقوله :فَشَرِبُواكلام موجب فيجب نصب المستثنى بعده على الاستثناء . وقرأ عبد اللّه وأبي والأعمش « إلا قليل » بالرفع ميلا إلى جانب المعنى فإن فشربوا منه وإن كان كلاما موجبا إلا أنه في معنى فلم يطيعوه وفي مثله جاز أن يتبع ما بعد إلا ما قبلها في الإعراب ونحوه في الإعراض عن جانب اللفظ واعتبار جانب المعنى قول الفرزدق :إليك أمير المؤمنين رمت بنا * شعوب الهوى والهوجل المتعسفوعض زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلا مسحت أو مجلففإنه استثناء مفرغ ، فالواجب أن يقال : « إلا مسحتا أو مجلفا » بالنصب لكنه رفع اعتبارا للمعنى فإن قوله : « لم يدع من المال » في معنى لم يبق منه لأن معنى لم يدع لم يترك وإذا لم يترك شيئا لم يبق شيء . وروى الزمخشري في سورة طه « إلا مسحتا أو مجلف » وكذا الجوهري والأزهري وافقا هذه الرواية أي : وجهتنا نحوك جهة بعيدة ذات شعوب ومفازة لا علم بها ذات تعاسيف وإصابة سنة أزمة ذهبت بالمال أي أستأصلته .
والسحت بمعنى الاستئصال لغة أهل الحجاز ، والإسحات بمعناه لغة أهل نجد . يقال :
مال مسحوت ومسحت أي مذهب ومستأصل . والمجلف الذي أخذ من جوانبه فذهب بعضه وبقي منه شيء وقيل : المجلف الذي ذهب ماله . والجالفة السنة التي تذهب بالأموال . وهذا القول يدل على أن المجلف كما يقع على المال الذي جلفته السنة يقع على نفس الشخص أيضا . قيل : سئل الفرزدق أن الاستثناء إن كان من الموجب فهلا قلت مجلفا وإن كان من غيره فهلا قلت مسحت ؟ فقال : قلت كذلك ليشقى به النحويون . والأقرب في تأويله ما أشار إليه صاحب الكشاف من أنه التفات إلى المعنى إما في المعطوف والمعطوف عليه على هذه الرواية ، وإما في المعطوف وحده على الرواية الأخرى . وقيل : التقدير الأشياء مسحتا أو شيئا هو مجلف .