وقيل : هم القليل الذين ثبتوا معه . والضمير في « قالوا » للكثير المنخذلين عنه اعتذارا في التخلّف وتخذيلا للقليل ، وكأنهم تقاولوا به والنهر بينهما .
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
بحكمه وتيسيره . و « كم » تحتمل الاستفهام والخبر و « من » مزيدة أو مبيّنة . والفئة الفرقة من الناس من فأوت رأسه إذا شققته أو من فاء إذا رجع ، فوزنها فعة أو فلة .
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
( 249 ) بالنصر والإثابة .
شرح
نصب أعينهم وجزموا بأن كل حي إلى المنون فطوبى لمن أصابه الموت وهو في سبيل اللّه تعالى وطاعته . روي عن قتادة : أن المراد من لقاء اللّه تعالى الموت . قال عليه الصلاة والسّلام : « من أحب لقاء اللّه تعالى أحب اللّه لقائه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » . وأشار بقوله : « وتوقعوا ثوابه » إلى احتمال أن يكون المراد بلقاء اللّه تعالى لقاء ثوابه بسبب هذه الطاعة وأن يكون الظن على حقيقته بناء على أنه لا سبيل لأحد إلى أن يعلم عاقبة أمره وإنما يكون ظانا راجيا وإن بلغ في الطاعة ما بلغ .
قوله : ( وقيل هم القليل الذين ثبتوا معه ) أي وقيل : المراد « بالذين يظنون » هم القليل الذين لم يشربوا وجاوزوا النهر مع طالوت فيكون« الَّذِينَ يَظُنُّونَ »من وضع الظاهر موضع المضمر الراجع إلى« الَّذِينَ آمَنُوا »وضمير« قالُوا »« للذين شربوا منه » ولم يجاوزوا مع طالوت بناء على أن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم قد تخلفوا ، أو ما جاوزوا معهم سألوهم عن سبب التخلف فأجابوا من وراء النهر بقولهم :لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ[ البقرة : 249 ] اعتذارا في التخلف وتخذيلا للقليل لأن النهر الواقع بينهما كان بحيث لا يمنع المكالمة . فأجابهم الأقلون الذين عبروا النهر بأنه لا عبرة في النصر والظفر بكثرة العدد وإنما العبرة بتأييد اللّه تعالى وعونه وإنما النصر من عند اللّه تعالى ينصر من يشاء وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه تعالى وإرادته ذلك وقولهوَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَمن تمام قولهم ، ويحتمل أن يكون قولا من اللّه تعالى . قوله : ( وكم تحتمل الاستفهام والخبر ) و « كم » الاستفهامية والخبرية يدلان على عدد ومعدود فالاستفهامية كناية عن عدد مبهم عند المتكلم معلوم في ظنه عند المخاطب والخبرية لعدد مبهم عند المخاطب وربما يعرفه المتكلم . ومعناها التكثير . وأما المعدود فهو مجهول عند المخاطب في الاستفهامية والخبرية فلذلك احتاج كل واحد منهما إلى المميز ليبين المعدود ، ومميز الاستفهامية منصوب مفرد لأنه للعدد فجعل مميزه كمميز الأعداد المتوسطة لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح ، ومميز الخبرية مجرور بإضافتها إليه . ويجوز أن يكون المميز المجرور مفردا لكونها للتكثير فصار مميزها مفردا كمميز العدد الكثير وهو المائة والألف ، ويجوز أن يكون جمعا لأنها كناية عن العدد الكثير وليست بصريح فيه فجاز جمع مميزه تصريحا لمعنى الكثرة والعدد الكثير لكونه صريحا