تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
هادُوا
[ البقرة : 62 ] والمعنى الرخصة في القليل دون التكثير . وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم الغين .
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
أي فكرعوا فيه . إذ الأصل في الشرب
شرح
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارىإلى قوله : فلاخَوْفٌ عَلَيْهِمْثم يقال : والصابئون كذلك لكن توسطت هذه الجملة بين اسم « إن » وخبرها للعناية بها تنبيها به على أن الصابئين يتاب عليهم أيضا وإن كان كفرهم أغلظ . فكذا الأمر ههنا لأن المطلوب أن لا يذاق من الماء رأسا . والاغتراف بالغرفة رخصة فقدم قوله :وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي[ البقرة : 249 ] للعناية لأنه عزيمة وبيان حال الأخذ بالعزيمة أهم من الأخذ بالرخصة . ومعنى الاستثناء بيان أن الاغتراف رخصة . واستدل صاحب الكشاف على أن الاستثناء من قوله :فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُلا من قوله :وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُبأن الاستثناء لو كان من الجملة الثانية لقيل « فطعموه » يدل قوله :فَشَرِبُوا مِنْهُ[ البقرة : 249 ] فلما قيل :فَشَرِبُوا مِنْهُعلم أنه استثناء من الجملة الأولى . وقرأ الحرميان وأبو عمرو ويعقوب وخلف « غرفة » بفتح الغين والباقون بضمها فقيل : هما لغتان بمعنى المصدر بمعنى إلا من اغترف اغترافا إلا أنهما جاءا على غير لفظ المصدر مثل : أنبت اللّه نباتا . وقيل : هما لغتان بمعنى المغترف وهو القدر الحاصل في الكف بعد الاغتراف كالأكل بمعنى المأكول ، وقيل : المفتوح . مصدر بني للدلالة على الوحدة فإن فعلة يدل على المرة الواحدة يقال : فلان يأكل بالنهار أكلة واحدة . والمضموم اسم القدر الحاصل في الكف بالاغتراف كاللقمة والخطوة وإن جعلتهما مصدرا يكون المفعول محذوفا تقديره : إلا من اغترف ماء . وإن جعلتهما بمعنى المفعول كانا مفعولا به فلا يحتاج إلى تقدير مفعول وقوله :بِيَدِهِالظاهر أنه متعلق باغترف ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة « لغرفة » بمعنى المفعول أي غرفة كائنة في يده على أن الباء بمعنى « في » . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كانت الغرفة الواحدة يشرب منها هو ودوابه وخدمه ويحمل منها . قال الإمام : وهذا يحتمل وجهين : أحدهما أنه كان مأذونا له في أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ودوابه وخدمه ويحمل باقيه . وثانيهما أنه كان يأخذ القليل فيجعل اللّه تعالى فيه البركة حتى يكفي كل هؤلاء فيكون معجزة لنبي ذلك الزمان . كما أنه تعالى كان يروي الخلق الكثير من الماء القليل في زمن محمد عليه الصلاة والسّلام . والإمام الواحدي لم يذكر في الوسيط إلا الوجه الأول . واللّه أعلم . قيل : إن اللّه تعالى ابتلى القوم بالنهر ليمتاز من أخلص وجهه للّه ممن اتبع هواه وجعل ذلك الابتلاء مثلا مضروبا للدنيا وأبنائها فإن من تناول منها قدر ما يتبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا ، ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشا ولهذا قيل : الدنيا كالماء الملح من ازداد منه شربا ازداد عطشا وإلى هذا