تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
استثناء من قوله : فمن شرب . وإنما قدمت عليه الجملة الثانية للعناية بها كما قدّم الصابئون على الخبر في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ
شرح
بالكأس أو باليد فالمبدأ هو اليد والكأس دون النهر ولا يقال لهذا الشارب أنه شرب من النهر إلا مجازا ، والشرب من النهر لا يكون حقيقة إلا بأن يتصل الشرب بالنهر من غير أن يفصل شيء بين النهر والشارب . وذكر في الحواشي القطبية : ههنا مسألة وهي أن من حلف لا يشرب من هذا النهر ؟ قال أبو حنيفة رحمه اللّه : لا يحنث إلا إذا كرع من النهر حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لم يحنث لأن الشرب من الشيء إنما يكون حقيقة إذا كان ابتداء شربك متصلا بذلك الشيء ، وهذا لا يحصل إلا بأن شرب من النهر . وقال الباقون : بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازا إلا أنه متعارف . إذا عرفت هذا فنقول : جرى المصنف في تفسير الآية على مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه ففسر الشرب من النهر بالكرع فيه لأنه حقيقة وما دام يمكن اعتبار الحقيقة لا يتجاوز إلى المجاز ، وإنما ذهب الباقون في تلك المسألة إلى المجاز المشهور لأن مبنى الإيمان على المتعارف وما في كلام اللّه تعالى ليس بيمين . إلى هنا عبارة القطبية . فعلى هذا القسمة مثلثة : الشاربون كرعا ، والذين لم يذوقوا منه شيئا ، والذين اغترفوا منه غرفة ، فحكم على القسم الأول بأنه ليس من أشياعه ، وعلى القسم الثاني بأنه من أشياعه ، وعلى القسم الثالث بكونهم مرخصين فيما فعلوه . والمصنف حمل قوله تعالى :فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُعلى عموم المجاز حيث جعله متناولا للكروع فيه وللشرب بطريق الاغتراف منه ليكون قوله :إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةًمستثنى متصلا من قوله :فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُوحمل قوله : « فشربوا منه » على الحقيقة لعدم الصارف عنها ولما جعل قوله تعالى :إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَمستثنى من الجملة الأولى وقعت الجملة الثانية معترضة بين المستثنى والمستثنى منه وأصلها التأخر عنه ولكنها قدمت عليه للعناية بها لأنه لما قسم القوم إلى طائفتين وذكر الطائفة الأولى اتبعهم ذكر الطائفة الثانية تكميلا للتقسيم وربط بعض الأقسام ببعض ولأنهم أشرف القسمين ومتصلون به قدموا للاعتناء بشأنهم . وأيضا عدم الذوق منه رأسا عزيمة والاغتراف منه رخصة وبيان حكم العزيمة أهم من بيان حكم الرخصة . قوله : ( كما قدّم الصابئون على الخبر ) أي خبر « إن » وهو قوله :مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِفي قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى[ الحج : 17 ] إلى قوله :فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[ البقرة : 38 ] وآيات أخرى فإن الصابئون فيه لا يجوز أن يكون معطوفا على محل اسم « إن » لأن العطف على محل اسم « إن » قبل الإتيان بالخبر لا يجوز فهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف أي والصابئون كذلك فكان حق الكلام أن يقال :
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 609 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين