ليس بمتحد معي .
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
أي ومن لم يذقه . من طعم الشيء إذا ذاقه مأكولا أو مشروبا قال الشاعر :
وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبيا كما قيل ، أو بإخبار النبي عليه السّلام .
شرح
نفس المتكلم للإشعار بأن أصحابه لقوة اختصاصهم واتصالهم به كأنهم بعضه . وقوله :
« أوليس بمتحد معي » على أن تكون كلمة « من » اتصالية كما في قوله تعالى :الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ[ التوبة : 67 ] أي بعضهم متصل بالبعض الآخر ومتحد معه .
قوله : ( أي ومن لم يذقه ) لما كان طعمت الشيء شائعا في معنى أكلته وكان الماء ليس مما يتعلق به الأكل بل إنما يتعلق به الشرب ولا سيما أنه استعمل لم يطعمه في الآية في مقابلة شرب منه فإنه قرينة واضحة على أنه ليس من قبيل قوله تعالى :فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا[ الأحزاب : 53 ] فإنه بمعنى فإذا تناولتم وأكلتم ما يتغذى به فتفرقوا . وهذا المعنى غير سديد في هذا المقام فلذلك فسره بقوله : « من لم يذقه » على أنه من طعم الشيء إذا ذاقه ، ومنه طعم الشيء لمذاقه واستشهد بقول الشاعر :فإن شئت حرمت النسا سواكمو * ( وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا )النقاخ الماء العذب وقد جعله مفعول « لم أطعم » وعطف عليه « البرد » وهو النوم .
وسمّي النوم بردا لأنه يبرد القلب ويجلب له راحة . ولو صح أن يجعل النقاخ من قبيل المأكول توسعا لمشاركته المأكول في وصوله إلى الجوف من طريق الفم فلا وجه لجعل النوم من ذلك القبيل إذ لا مشابهة له بالمطعوم أصلا . فلو كان الطعم في البيت بمعنى الأكل لما صح عطف قوله : « ولا بردا » على قوله : « نقاخا » فتعين كونه بمعنى الذوق وهو التناول من الشيء تناولا قليلا . ويصح تعلق الذوق بكل واحد من النقاخ والنوم ، أما تعلقه بالنقاخ فظاهر وأما تعلقه بالنوم فكما في قولهم « ما ذقت غماضا » وهو بفتح الغين وضمها القليل من النوم .
وإنما قال في مخاطبة النساء « سواكمو » لتعظيمهن وتصوير كمال عقلهن . وذكر صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى :فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي[ البقرة : 249 ] فمن ابتدأ شربه من النهر بأن كرع فيه فليس بمتصل بي ومتحد معي . فقوله : « كرع فيه » أي تناول الماء بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء يقال : كرع في الماء بفتح الراء كروعا وبكسرها كرعا أي تناوله بفيه من موضعه من غير توسيط شيء في شربه . وأصله من كرعت الغنم إذا خاضت الماء حتى أصاب كراعها وشربت ، ثم عم في كل من شرب الماء من موضعه بفيه .
وفسر الشرب من النهر بالكروع لأنه المبدأ القريب في الأصل ، وإذا شرب من ماء النهر