فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ
انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة ، وأصله فصل نفسه عنه ولكن لما كثر حذف مفعوله صار كاللازم . روي أنه قال لهم : لا يخرج معي إلا الشابّ النشيط الفارغ اجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفا ، وكان الوقت قيظا فسلكوا مفازة وسألوا أن يجري اللّه لهم نهرا .
قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
معاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه .
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي
فليس من أشياعي أو
شرح
قوله : ( انفصل بهم ) لما كان فصل يستعمل لازما ومتعديا حيث يقال : فصله صلا بمعنى ميزه ، وفصل فصولا بمعنى انفصل . ونظيره وقفت الدابة وقوفا ووقفتها وقفا ، وصد عنه صدودا أي أعرض وصده صدا أي منعه ، ورجع رجوعا ورجعه رجعا . جعل ما في الآية مما استعمل لازما حيث فسره بقوله « انفصل بهم » وباء المصاحبة متعلقة بمحذوف هو حال من طالوت أي مصاحبا لهم ، ثم ذكر أن أصله التعدي إلى مفعول لكن حذف أجرى مجرى اللازم والتقدير : فصل نفسه . والجنود جمع جند ، وكل صنف من الخلق جند على حدة يقال للجراد الكثير : إنه جند اللّه تعالى . روي أن طالوت خرج من بيت المقدس بالجنود وهي يومئذ سبعون ألفا وقيل : ثمانون ألف مقاتل وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم يشكوا في النصر فسارعوا إلى الجهاد فقال طالوت : لا حاجة لي في كل ما أرى لا يخرج معي رجل بنى بيتا لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ولا من تزوج امرأة لم يبن بها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ . فاجتمع إليه مما اختاره سبعون ألفا وقيل : ثمانون ألفا وكان وقت خروجهم قيظا أي شديد الحر . يقال : قاظ يومنا أي اشتد حره . فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم وقالوا : إن المياه قليلة لا تفي بنا فادع اللّه تعالى أن يجري لنا نهرا فقال : إن اللّه مبتليكم بنهر . واختلفوا في هذا القائل فقال الأكثرون : هو طالوت لأنه المذكور السابق ، وعلى هذا فإنه لم يقله عن نفسه فلا بد وأن يكون عن وحي أتاه عن ربه وذلك يقتضي أن يكون جامعا بين الملك والنبوة . وقيل : القائل هو النبي المذكور في أول القصة وهو شمويل عليه السّلام .
وعلى هذا التقدير إن قلنا إن هذا الكلام من طالوت فيكون قد تحمله من ذلك النبي عليه السّلام وحينئذ لا يكون طالوت نبيا ، وإن قلنا الكلام من النبي عليه السّلام فتقديره فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم : إن اللّه مبتليكم بنهر . والابتلاء الامتحان وفيه لغتان : بلا يبلو وابتلى يبتلي ، وأصل الياء في « مبتليكم » واو لأنه من بلا يبلو أي اختبر وإنما قلبت ياء لانكسار ما قبلها . و « نهر » بفتح الهاء في قراءة الجمهور وهي اللغة الفصيحة . وقرأ مجاهد وأبو السماك بسكون الهاء في جميع القرآن وكل ثلاثي حشوه حرف حلق يجوز فيه الوجهان فتح العين وإسكانها نحو : صحن وصحن وشعر وشعر وبخر وبخر .
قوله : ( فليس من أشياعي ) أي أصحابي وكلمة « من » على هذا للتبعيض دخلت على