وقد يخاطب به من لم ير ومن لم يسمع فإنه صار مثلا في التعجب .
إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
يريد أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيهم طاعون فخرجوا هاربين فأماتهم اللّه ثم أحياهم ليعتبروا ويتيقّنوا أن لا مفر من قضاء اللّه تعالى وقدره . أو قوما من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد ففرّوا حذر الموت فأماتهم اللّه ثمانية أيام ثم أحياهم .
وَهُمْ أُلُوفٌ
أي ألوف كثيرة . قيل : عشرة . وقيل : ثلاثون . وقيل :
سبعون . وقيل : متألّفون جمع ألف أو آلف كقاعد وقعود والواو للحال .
حَذَرَ الْمَوْتِ
مفعول له .
شرح
فلا يقال : رأيت إلى كذا جعل الرؤية بصرية مستعارة من ألم تسمع وهذا التأويل أنسب بهذا المقام . قوله : ( وقد يخاطب به من لم ير ومن لم يسمع ) إشارة إلى أن الخطاب يجوز أن لا يكون خاصا بمن سمع قصتهم وعلمها بطريق السماع بل يكون عاما للكل دلالة على شيوع القصة وشهرتها بحيث ينبغي لكل أحد أن يعلمها أو يبصرها ويتعجب منها كأنه حقيق بأن يحمل على الإقرار برؤيتهم وإن لم يرهم ولم يسمع بقصتهم . ولم يكن من أهل الكتاب وأهل أخبار الأولين فيكون خطابأَ لَمْ تَرَفي حقهم من باب المثل في التعجب بأن شبه حال من لم يرهم بحال من رآهم في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه هذه القصة وأنه ينبغي أن يتعجب منها . ثم أجرى الكلام معه كما يجري مع من رآهم وسمع بقصتهم قصدا إلى التعجب فيجوز أن يكون النبي عليه الصلاة والسّلام وأمته لم يعرفوا هذه القصة إلا بنزول هذه الآية ويكون جريان الكلام معهم بطريق الاستعارة التمثيلية ويجوز أن يكون علمهم بها سابقا على نزول هذه الآية ويكون الكلام حقيقة في التقرير والتعجيب . قوله : ( ألوف كثيرة ) قال الواحدي : لم يكونوا دون ثلاثة آلاف ولا فوق سبعين ألفا . والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة فلا يقال في عشرة آلاف فما دونها ألوف . وقيل : ألوف ليس جمع ألف الذي هو من جملة أسماء العدد بل جمع آلف كقعود في جمع قاعد ، وجلوس في جمع جالس ، ومعناه متألفون تمكنت بينهم المحبة والائتلاف أو كان كل واحد منهم آلفا لحياته محبا لهذه الدنيا فرجع حاصل المعنى إلى أن ما قال تعالى في حقهموَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ[ البقرة : 96 ] ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة وألفهم بها أماتهم اللّه تعالى وأهلكهم ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه من الموت . قوله : ( مفعول له ) أي خرجوا من ديارهم خوفا من الموت ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت إلا أنه إنما يحمل الجماعة الكثيرة على الخروج من ديارهم عند استحكام سببية ثباتهم في ديارهم للموت إما لأجل غلبة الطاعون فيها أو لأجل لزوم المقاتلة على تقدير الثبات .