أَ لَمْ تَرَ
تعجب وتقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ
شرح
وجعل المتعة لهن بلام الملك وقال :حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ[ البقرة : 180 ، 241 ] يعني المؤمنين المتقين الشرك . وهذا القول يلائم مذهب الشافعية رحمهم اللّه تعالى وهو وجوب المتعة لكل مطلقة سوى من فرض لها المهر ولم يوجد المسيس . وقوله أثبت المتعة للمطلقات جميعا أي لأن لفظ المطلقات جمع محلى باللام فيستغرق جميع المطلقات بعدما أوجبها لواحدة منهن وهي المطلقة قبل المسيس وفرض المهر . ولما ورد أن يقال إفراد بعض أفراد العام بحكم يدل على كون حكم البعض الآخر بخلافه فيكون مفهوم الآية السابقة الواردة في المطلقة قبل المسيس وقبل فرض المهر معارضا لمنطوق هذه الآية فكيف يجتمعان في الصدق بل يجب أن تكون الآية الأولى مخصصة لعموم هذه الآية ؟ أجاب عنه بأن القول بتخصيص هذا العام بالآية السابقة مبني على القول بجواز تخصيص منطوق هذه الآية بمفهوم الآية السابقة والمفهوم لا يعارض المنطوق فكيف يخصصه ؟ فبقيت هذه الآية على عمومها سالمة من المعارض . ولذلك ذهب سعيد بن جبير إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة وإليه ذهب الشافعي رحمه اللّه بخلاف الحنفية فإنهم لم يوجبوها إلا لمطلقة لم توطأ ولم يسم لها مهر وجعلوها مستحبة لسائر المطلقات ، وحملوا الاستحقاق المدلول عليه بقوله تعالى :وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌعلى ما يتناول الاستحقاق على سبيل الوجوب والاستحباب . واعلم أن عادته تعالى أن يذكر القصص بعد بيان الأحكام ليفيد الاعتبار للسامع ليترك التمرد والعناد ويزيد في الخضوع والانقياد فلذلك قال تعالى :أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ .قوله : ( ألم تر تعجب ) أي من حال هؤلاء وتقرير أي حمل على الإقرار بما دخله النفي وقوله : « لمن سمع بقصتهم » إشارة إلى أن هذا الخطاب وإن كان بحسب الظاهر متوجها إلى النبي عليه الصلاة والسّلام إلا أنه من حيث المعنى متوجه إلى جميع من سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ ، وأن مقتضى الظاهر أن يقال : ألم تسمع بقصتهم إلا أنه نزل سماعهم إياها منزلة رؤيتهم تنبيها على ظهورها واشتهارها عندهم فخوطبوا « بألم تر » . والرؤية قد تجيء بمعنى « رؤية البصر » وقد تجيء بمعنى « رؤية البصيرة والقلب » وذلك راجع إلى العلم كما في قوله تعالى :وَأَرِنا مَناسِكَنا[ البقرة : 128 ] أي علمنا وقوله تعالى :لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ[ النساء : 105 ] ب « إلى » أي علمك . والرؤية ههنا علمية فكان من حقها أن تتعدى إلى مفعولين ولكنها ضمنت معنى ما يتعدى ب « إلى » والمعنى ألم ينته علمك إلى كذا . قال الإمام الواحدي : « ألم تر إلى الذين » أي ألم تعلم وألم ينته علمك إلى هؤلاء ومعنى الرؤية ههنا رؤية القلب وهي بمعنى العلم . وقال الراغب : رأيت يتعدى بنفسه دون الجار لكن لما استعير ألم تر لمعنى ألم تنظر عدّى تعديته وقلما يستعمل ذلك في غير التقرير