ويحتمل أن يفسر النكاح بالإصابة ويكون العقد مستفادا من لفظ الزوج . والحكمة في هذا الحكم الردع عن التسرّع إلى الطلاق والعود إلى المطلقة ثلاثا والرغبة فيها . والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر وجوّزه أبو حنيفة مع الكراهة . وقد لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المحلّل والمحلّل له .
فَإِنْ طَلَّقَها
الزوج الثاني
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا
أي يرجع كلّ من المرأة والزوج الأول إلى الآخر بالزواج .
إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
إن كان في ظنهما أنهما يقيمان ما حدّه اللّه وشرعه من حقوق الزوجيّة . وتفسير الظن بالعلم ههنا غير سديد لأن عواقب الأمور غيب تظنّ ولا تعلم ولأنه لا يقال : علمت أن يقوم زيد لأن إن الناصبة للتوقع وهو ينافي العلم .
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
أي الأحكام المذكورة
يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
( 230 ) يفهمون ويعملون بمقتضى العلم .
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
أي آخر عدتهن والأجل يطلق للمدة ولمنتهاها .
فيقال لعمر الإنسان وللموت الذي به ينتهي قال :
كلّ حيّ مستكمل مدّة العمر * ومود إذا انتهى أجله
والبلوغ هو الوصول إلى الشيء وقد يقال للدنوّ منه على الاتساع ، وهو المراد في الآية ليصح أن يترتب عليه .
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
إذ لا إمساك بعد
شرح
التقييد بالسنة . وقيل : اشتراط كل واحد ثبت بالكتاب أما اشتراط العقد فقد ثبت بقوله :زَوْجاً[ البقرة : 230 ] فإن الزوجية لا تتحقق بدون العقد وأما اشتراط الجماع فقد ثبت بلفظتَنْكِحَ[ البقرة : 230 ] فإن لفظ النكاح يستعمل في كل واحد من الوطء والعقد ، ولا وجه لحمله على العقد ههنا لأن المرأة لا تزوج نفسها من زوجها فتعيّن حمله على الوطء فكان ذكر لفظ الزوج دليلا على اشتراط العقد الصحيح . وذكر لفظ النكاح دليلا على اشتراط الإصابة والجماع فظهر أن اشتراط كل واحد منهما ثابت بالكتاب . وضعف المصنف هذا الاحتمال لأن إسناد النكاح بمعنى الوطء إلى المرأة لا يساعده العرف ولا اللغة إذ لا يقال . هي واطئة وإنما يقال : موطوءة . قوله : ( والحكمة في هذا الحكم ) أي في اشتراط إصابة الزوج الثاني في التحليل وعدم كفاية مجرد العقد فيه الردع عن التسرع إلى الطلاق ، فإن الغالب أن يستنكر الزوج أن يستفرش زوجته رجل آخر ، وهذا الردع إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول . وأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة وتهييج غيرة فلا يصلح توقف الحل عليه رادعا وزاجرا عن التسرع إلى الطلاق وقوله : و « العود » و « الرغبة » مجروران بالعطف على التسرع .