وَالْمُطَلَّقاتُ
يريد بها المدخول بهن من ذوات الأقراء لما دلّت الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر .
يَتَرَبَّصْنَ
خبر بمعنى الأمر وتغيير العبارة للتأكيد والإشعار بأنه ممّا يجب أن يسارع إلى امتثاله وكأنّ المخاطب قصد أن يتمثل إلا فيخبر عنه كقولك في الدعاء : رحمك اللّه وبناؤه على المبتدأ يزيده فضل تأكيد .
بِأَنْفُسِهِنَّ
تهييج وحثّ لهن على التربص فإن نفوس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن بأن يقمعنها ويحملنها على التربّص .
شرح
غير المدخول بها إذ لا يجب عليها العدة لقوله تعالى :إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها[ الأحزاب : 49 ] وخص منه الحامل أيضا لأن عدتها بوضع الحمل لقوله تعالى :وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ[ الطلاق : 4 ] وخص منه أيضا من امتنع الحيض في حقها لصغر مفرط أو كبر مفرط لأن عدتها بالأشهر لقوله تعالى :وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ[ الطلاق : 4 ] والمصنف أشار إلى تخصيص هذه المذكورات بقوله : « يريد بها المدخول بهن من ذوات الإقراء » وكان عليه أن يشير إلى كون الأمة مخصصة من لفظ المطلقات أيضا لأن عدتها قرءان لا ثلاثة قروء لقوله عليه الصلاة والسّلام : « طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان » .
قوله : ( وتغيير العبارة ) جواب عما يقال : لما كان قوله تعالى :يَتَرَبَّصْنَخبرا في معنى الأمر فما الفائدة في التعبير عن الأمر بلفظ الخبر ؟ فإن مقتضى الظاهر أن يقال :
وليتربصن المطلقات . وتقرير الجواب أن الفائدة فيه تأكيد الأمر فإن صورة الإخبار تشعر أن المأمور به مما يجب أن يسارع إليه وأن الأمر به مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأن المطلقات امتثلن الأمر بالتربص فهو تعالى يخبر أن امتثالهن موجود ونحوه قولهم في الدعاء : رحمك اللّه أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنه وجدت الرحمة فهو يخبر عنها بأنها موجودة مع أن تقديم الاسم وبناء الحكم عليه مثل أن يقال : زيد فعل يفيد من التأكيد والقوة ما لا يفيده قولك : فعل زيد . فإن التقديم في مثله وإن جاز أن يكون لتخصيص ذلك الفعل بذلك الفاعل إلا أنه يجوز أن يراد به الحصر والتخصيص ويكون المقصود تأكيد إثبات ذلك الفعل له وتقوية الحكم به عليه كما إذا قلبت : هو يعطي الجزيل تريد به أن تحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه . والسبب في حصول هذا المعنى عند تقديم المبتدأ أنك إذا قلت :
عبد اللّه مثلا فقد أشعرت بأنك تريد الإخبار عنه ليحصل في النفس تشوق إلى معرفة ذلك الخبر ، فإذا ذكرته بعد ذلك قبله العقل بتشوق فيكون ذلك أبلغ في التحقق ونفي الشبهة مع ما في هذا الأسلوب من تكرير الإفساد . قوله : ( طوامح ) أي نواظر إلى الرجال لغلبة