تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
النصارى فإنهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض . وإنما وصفه بأنه أذى ورتّب الحكم عليه بالفاء إشعارا بأنه العلّة .
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
تأكيد للحكم وبيان لغايته ، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع . ويدلّ عليه صريحا قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عبّاس يطّهّرن أي يتطهرن بمعنى يغتسلن والتزاما قوله .
شرح
قوله : ( ورتب الحكم عليه بالفاء ) حيث قال :فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِفإن الاعتزال هو التنحي عن الشيء . وأراد به ههنا ترك الوطء لأن ترتب الحكم على الوصف الملائم يشعر بعليته للحكم . فإن قيل : الظاهر أن دم الاستحاضة كدم الحيض في كونه أذى مع أنه لا يوجب الاعتزال وترك الوطء ، فلو كان العلة للاعتزال لوجب الاعتزال عن المرأة وقت الاستحاضة ؟ أجيب بأن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرحم ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة ، فذلك الدم جاري مجرى البول والغائط فكان أذى مثلهما وقذرا ، وأما دم الاستحاضة فليس كذلك بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر من فم الرحم فلا يكون أذى . قال الإمام : وهذا جواب طبي يتخلص به ظاهر القرآن من الطعن . واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض ، واختلفوا في وجوب الكفارة على من جامع فيه : فذهب الأكثرون إلى أنه لا كفارة عليه فيستغفر اللّه ويتوب . وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه تمسكا بما رواه ابن عباس رضي اللّه عنهما من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال في رجل جامع امرأته وهي حائض « إنه إن كان الدم عبيطا فليتصدق بدينار وإن كان فيه صفرة فبنصف دينار » . ويروى موقوفا عن ابن عباس . واتفقوا على الاستمتاع بها فيما فوق السرة ودون الركبة ، واختلفوا في أنه هل يجوز الاستمتاع بها فيما دون السرة وفوق الركبة ؟ قال الإمام : إن فسرنا المحيض بموضع الحيض على ما اخترناه كانت الآية دالة على تحريم الجماع فقط فلا يكون فيها دلالة على تحريم ما وراءه بل نقول : إن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه فيفهم منها حل ما سوى الجماع ، وإن فسرنا المحيض بالحيض كان تقدير الآية عنده فاعتزلوا النساء في زمان الحيض ثم نقول : ترك العمل بهذه الآية فيما فوق السرة ودون الركبة فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة . قوله : ( تأكيد للحكم ) أي لقوله تعالى :فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِفإنه نهي عن المباشرة في موضع الدم والقربان في قوله :وَلا تَقْرَبُوهُنَّكناية عن الجماع فيكون كالتأكيد له . و « حتى » هنا بمعنى « إلى » والفعل بعدها منصوب بإضمار « إن » وأصل يطهرن بالتشديد « يتطهرن » فأدغم و « يطهرن » بالتخفيف مضارع طهر . قالوا : وقراءة التشديد معناها « يغتسلن » وقراءة التخفيف معناها « ينقطع دمهن » . فتكون قراءة التشديد معناه يغتسلن بعد الانقطاع ، وقراءة التخفيف إنما تدل عليه التزاما لا صريحا . أما عدم دلالتها صريحا فظاهر وأما دلالتها