من النّطف بالبذور
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
أي فأتوهن كما تأتون المحارث وهو كالبيان لقوله :
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
أَنَّى شِئْتُمْ
من أيّ جهة شئتم . روي أن اليهود كانوا
شرح
أن الحرث إلقاء البذر وتهيئة الأرض والزرع مراعاته وإنباته ولهذا قال تعالى :أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ[ الواقعة : 63 ، 64 ] فأثبت لهم الحرث ونفى عنهم الزرع . ومنهم من جوّز إتيان النساء في أدبارهنّ واحتج بهذه الآية فقال : إنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة لا للموضع المعيّن منها بدليل حمل قوله :حَرْثٌ لَكُمْعلى قوله :نِساؤُكُمْلا على موضع معين منها ، فلما قال بعده :فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْكان تخييرا بين الأمكنة التي يتأتى الإتيان منها . فإن « أنى » معناها « أين » قال تعالى :أَنَّى لَكِ هذا[ آل عمران : 37 ] معناه من أين لك هذا ؟ فصار تقدير الآية : فأتوا حرثكم أين شئتم ، وكلمة « أين » تدل على تعدد الأمكنة والتخيير بينها كما إذا قلت : اجلس أين شئت ، فلا يمكن أن يقال معنى الآية : فأتوا نساءكم في قبلها أو من دبرها في قبلها لأن المأتي على التقديرين مكان واحد والتعدد إنما وقع في طريق الإتيان ، فكان اللائق لهذا المعنى أن يقال : اذهبوا إليه كيف شئتم . فلما لم يذكر كيف بل ذكر لفظ« أَنَّى »وهي مشعرة بتعدد الأمكنة والتخيير بينها كما بينا ثبت أن المراد ما ذكرنا . والجواب أن حمل المصدر على النساء لما اقتضى تقدير المواضع المضافة إلى الحرث ، وكون المعنى نساؤكم مواضع حراثتكم ومن المعلوم أن المرأة بجميع أجزائها ليست محلا للحراثة بل محل الحراثة هو الموضع المعين منها ، فلما حمل مواضع الحراثة على ذوات النساء احتجنا إلى تقدير مضاف آخر في المبتدأ والتقدير :
أبضاع نسائكم حرث لكم أي مواضع حراثتكم . ولا شك أن موضع حراثة الولد ليس أماكن متعددة بل هو موضع معين منها فلم يمكن حمل قوله :« أَنَّى شِئْتُمْ »على التخيير في الأمكنة فيكون محمولا على التخيير في الكيفيات فإن« أَنَّى »ظرف مكان ويستعمل شرطا نحو أنّى تقعد أقعد ، واستفهاما بمعنى « من أين » ويكون بمعنى « كيف » أيضا . وهذا المعنى الأخير هو المناسب ههنا ويدل عليه ما ذكره المصنف في سبب نزول الآية من أن اليهود كانوا يمتنعون من إتيان المرأة في قبلها على بعض الوجوه الكيفيات ، فنزلت الآية ردا عليهم ببيان أن المقصود من عقد النكاح هو إتيان موضع الحراثة على أي كيفية كانت ولا يرجح بعض الكيفيات على بعض إلا اختيار الزوجين . وقول المصنف : « من أي جهة شئتم » إشارة إلى جواز كون أنّى بمعنى من « أين » للإشارة إلى تعدد جهات الإتيان بمحل الحراثة . وفي الكشاف : قوله :فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْتمثيل أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة ، والمعنى : جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتي واحدا وهو موضع الحرث . انتهى . وقوله : « تمثيل »