وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ
روي أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيّض ولم يواكلوها كفعل اليهود والمجوس واستمرّ ذلك إلى أن سأل أبو الدّحداح في نفر من الصحابة عن ذلك فنزلت . والمحيض مصدر كالمجيء والمبيت ، ولعله سبحانه إنما ذكر
« يَسْئَلُونَكَ »
بغير « واو » ثلاثا ثم « بها » ثلاثا لأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد ، فلذلك ذكرها بحرف العطف .
قُلْ هُوَ أَذىً
أي الحيض شيء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه .
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ
فاجتنبوا مجامعتهنّ لقوله عليه السّلام : « إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم » . وهو الاقتصاد بين إفراط اليهود وتفريط
شرح
قوله : ( والمحيض مصدر ) يصلح للزمان وللمكان أيضا وقد استعملوا لفظ المحاض بمعنى المصدر . فقالوا : حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا ، فبنوا المصدر على مفعل بالكسر والفتح . واعلم أن في المعتل من يفعل بكسر العين ثلاثة مذاهب : أحدها أنه كالصحيح فيفتح عينه مرادا به الزمان والمكان ، والثاني أنه يتخير بين الكسر والفتح في المصدر خاصة كما جاء ههنا المحيض والمحاض ، والثالث أن يقتصر على السماع فما سمع فيه الكسر أو الفتح لا يتعدى . فالمحيض المراد به المصدر ليس بمقيس على المذهب الأول والثالث ومقيس على الثاني . والحيض هو اللوث الخارج من الرحم في وقت معتاد والسؤال فيه نوع إيهام إلا أنه تبين بالجواب أن سؤالهم كان عن مخالطة النساء في حالة الحيض .
قوله : ( لأن السؤالات الأول كانت في أوقات ) فلذلك استؤنفت كل جملة وجيء بها وحدها .
قوله : ( مستقذر ) فسرى الأذى بالشيء الذي يتقذره الطبع ، ولا شك أن اللوث الخارج من الرحم كذلك . فإن الأذى في اللغة اسم لما يكره من كل شيء ولهذا سمى اللّه تعالى الكلام المكروه أذى في قوله تعالى :وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً[ آل عمران : 186 ] وقال فيما يسأمه الإنسان من مكروه المطر أذى في قوله تعالى :إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ[ النساء : 102 ] .
قوله : ( فاجتنبوا مجامعتهن ) إشارة إلى أن المحيض الثاني اسم لمكان ظهور الحيض وهو الفرج . ولذلك ذهب الإمام محمد بن الحسن رحمه اللّه تعالى إلى أن الزوج يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك . وقد جاء عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك . والشعار العلامة . فيحتمل أن يراد به نفس الفرج على الكناية والخرقة التي هي الكرسفة فإن كلا منهما علم للدم . ويحتمل أن يراد به الثوب الذي هو الإزار فيكون الأثر حجة لأبي حنيفة رحمه اللّه فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رحمهما اللّه يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار إلحاقا لما تحت الإزار بالفرج لأن الدم قد يصل إلى ذلك .